هل أصبح السفر متناً والبقاء والسُكنة هامشاً؟

هل أصبح السفر متناً والبقاء والسُكنة هامشاً؟

كتب – حسن العتمانى

هكذا أغراني خلوّ المقعد بجواري في السفر من رفيقٍ عابر
ربما كالعادة تجمعني به بضع كلمات معدودات
وربما شربة ماء لعاطشٍ فينا
وربما نصف ساندوتش محشوِّ بما شاءت الميزانية ونفسية اللسان
وربما مقطوعة متواصلة من الشخير
وضربة غاضبة منى على ركبة الحظ السيء والليلة السوداء
جعلني المقعد الخالي بجانبي بعدأن تحركنا منذ قليل أفتقد الكلمات القليلة والتعرف العابر الذى نفتعله ربما لنُخرج لساننا للذاكرة قائلين “سيسقط منك هذا الرفيق” قبل أن تنُفَّنا القطارات والشاحنات
وقبل أن ينتهى مخاضنا فنقذف القطارات والشاحنات من أرحامنا الواسعة
وأفتقد عزومة الماء والطعام التي لم نتشاطر هما قبل ذلك إلا نادرا على استحياءٍ ومحبةٍ خفيفتَيْن وناصعتين
غير أنى نظرت بجانبي فوجدت سؤالا رافقنى قديما وأحب أن يرافقني اليوم أيضا
كان بديناً حدّ أنه جعلني أرتطم بالشباك
ولكنه للأمانة اعتذرَ عن ذلك
لكنني رغم تسامحي المعتاد فأنا لا أقبل الاعتذارات أحيانا

_ربما عدد كبير من السفريات في رحلة تستغرق من ٩ل١١ساعة بالقطار ومن ٧ ل٩ساعات بالأتوبيس
تكتنفها سنينٌ من الوحدة ومن أشياءَ كُثُر لا يتسع المقام لذكرها
لكن يعتبر مخاتلةً ومجانبةً كبرى أن أظن ذلك قدَماً كافية لعرقلة السؤال فأتخلص من رفيقي البدين
ثم أيهما يُعدُّ سفرا ؟سفري من هناك إلى هنا أم من هنا إلى هناك!
ما الفارق وفى كل مكانٍ الملل والاغتراب راكضٌ في صدري مِلْءَ قدميه!

_وربما حياة نعيشها أغناما تسلخنا الحكومات والأنظمة وهم ينفخون الهواء في بؤبؤ جراحاتنا ويربتون على كتف عذاباتنا بحنانٍ وضيع
وتَستلبُ ذواتنا رِجالات الله
بعمائمهم التي يا طول مارقَّعها ترزىٌّ مسكين فلم ينتبه لكونها التأمت بخرقة قديمة تبقَّت من بنطال جاره
وتبلعنا حروبات ومباحثات تحاك بعناية للحصول على رقصتين تهتز فيهما جغرافيا الأرض على نغمات طقطقة عظامنا نحن الفقراء وتَكَشُّفِ أوراكنا وأثدائنا

_ولكن الحق الحق أننا في سفر دائم مذ دبت أقدامنا الطريق الذى زينته الرئة
لحظةَ أيقظتْنا يدٌ ما من العدم لتبْقُرَ الحياةُ عُبابَنا
ونَخْمُشَ الموتَ بأظفارنا الرقيقة
مذ جاء لأرواحنا جوابُ اعتقالٍ وزُجّ بها فى الجسد
لا يخفف عنَّا ذلك الموتَ المراوغ إلا مُزحة شفيفة
أو جمال آسر
أو وصل صريح
أو رفيق عابر إن هو جاء تَشاطرنا الطريق صامتَيْن
أو هو لم يجئ فأمُد قدمي مكانه مستمتعا بالمخاتلةِ الطيبة والأُنس الكاذب
والطريق الذى يعبرني.

 

الوسوم