مما قرأت : رواية أجنحة الفراشة .. لمحمد سلماوي

مما قرأت : رواية أجنحة الفراشة .. لمحمد سلماوي د. محمود القوصي ـ طبيب وأديب - المصدر: الكاتب

كتب – محمود القوصي:

تعد من أجمل ما كتب محمد سلماوي وإن لم تكن أجمل ما كتب بالفعل .. قيل عنها الرواية التي تنبأت بالثورة وعرضت لسيناريو التغيير في مصر .. وقيل عنها العمل الإبداعي الذي حمل روايتين متوازيتين في نفس الوقت .. ولعل أكثر ما أثار الضجة حولها أنها صدرت في نفس الشهر الذي قامت فيه ثورة الغضب وانتفاضة الشعب المصري .. ثورة 25 يناير . يقتحم محمد سلماوى فى (أجنحة الفراشة) عوالم وأفق جديدة لم تتعرض لها الرواية المصرية من قبل ، سواء على المستوى السياسى أم فى التفاصيل الدقيقة للعلاقات الإنسانية.

فمحور الرواية، هو الحراك السياسى الذى تشهده البلاد فى الوقت الحالى، والذي يتوازى مع الزواج غير الناجح لبطلة الرواية الباحثة عن نفسها (ضحى الكنانى) وكذلك رحلة الشقيقيين (أيمن وعبد الصمد) في البحث عن مستقبلهما.

حيث يقدم لنا مجموعة من الشخصيات التى تسير فى خطوط متوازية يربط بينها أنهم جميعا يبحثون عن تحقيق ذواتهم، وذلك فى فترة حرجة تشهد حراكا سياسيا ومخاضـًا غير مسبوق لبلد يبحث هو الآخر عن نفسه في خضم ما لحقه من طغيان وفساد وعدم استقرار . تتمحور أحداث الرواية فى ثنائيات متوازية.

فنجد من ناحية، ضحى والدكتور أشرف والعلاقة الفكرية والعاطفية التى تنمو بينهما فتحدد مسار حياة كل منهما وتغيرها للأحسن ، فهى – أي ضحى – سيدة المجتمع الراقي و المتزوجة من (مدحت الصفتي) احد قيادات الحزب الحاكم الملئ بالفساد والفاسدين من عاشقي المال والسلطة ، و التي تعاني في حياتها الزوجية معه و تتغلب على تعاستها بإتقان عملها كمصممة ازياء تطمح للوصول الى العالمية ، وتلتقي في صدفة قدرية اثناء سفرها لحضور عرض أزياء عالمي في ايطاليا بـ(أشرف الزيني) الأكاديمي المعروف وأحد قيادات المعارضة و حقوق الإنسان الذي يغير لها حياتها و قناعاتها لتدرك كم هي تعيسة في الحياة التي تعيشها مع زوجها القيادي في الحزب الحاكم و تقرر ان تتمرد على حياتها التعيسة مع زوجها و تتغير قناعاتها و اهتماماتها لتتحول من عدم الإهتمام بالسياسة الى واحدة من الناشطات السياسيات و التي تلعب دورا بارزا اثناء ثورة الشعب التي اندلعت ضد الفساد و تزوير الانتخابات .

أما في الناحية الأخرى ، فنجد أيمن وشقيقه عبد الصمد ومحاولة كل منهما البحث عن مستقبله ، فهما أخوان يكتشفا ان والدتهما على قيد الحياة بالصدفة البحتة بعد ان اوهمهما والدهما طوال حياتهما ان زوجة والدهما هي امهما ، فيبدأ أيمن في البحث عنها حتى وجدها في نهاية المطاف ، اما الأخر – أي عبد الصمد – فهو منشغل في البحث عن عقد عمل للسفر للخليج حتى يقع ضحية عصابة للنصب تستولى على كل ما يملك من اجل ان يحقق حلمه بالسفر للعمل بالكويت . وعلى هذا التوازى نفسه فى شخصيات الرواية .

نجد هناك توازيا آخر ما بين الشخصيات فى بحثها عن نفسها وبين البلد الذى يمر هو الآخر بمرحلة البحث عن الذات ، فتتشكل الحركات السياسية المطالبة بالتغيير وتنتشر المظاهرات فى كل مكان ، وحين يصل الوطن إلى الخلاص أخيرا من حكم الحزب الفاسد والمتسلط يكون أيمن قد عثر على أمه التى كان يبحث عنها ، وتكون ضحى قد تخلصت من زواجها الفاشل الذى فرض عليها رغما عنها وتجمعها أجواء الثورة والحب مع أشرف الزيني ، فتتحول من يرقة رخوة لا حول لها ولا قوة إلى فراشة جميلة نمى لها جناحان فصارت قادرة – هى والوطن – على التحليق فى السماء .

رواية محمد سلماوي تلك هى رحلة خلاص بلد ومجتمع بأكمله من القيود التى تكبله والتى تحول دون تحقيق أبنائه لذواتهم ، ولذلك فلم يكن غريبا أن تبدأ قصة كل من الشخصيتين الرئيسيتين للرواية – أي ضحى وأيمن -بالسفر ، فضحى تركب الطائرة إلى روما للمشاركة فى العرض السنوى لأزياء الربيع، فى الوقت الذى يتجه فيه أيمن إلى موقف أحمد حلمى متجهًا إلى طنطا للبحث عن أمه، ولم يكن من قبيل المصادفة أن تعترض رحلة كل منهما قوات الشرطة وسيارات الأمن المركزى التى تسد الشوارع في ميدان التحرير وتقف للمتظاهرين بالمرصاد .

ولقد ذكرنا في السابق أن الرواية قد تنبأت بالثورة المصرية ورسمت بورتريه دقيق للتغيير في مصر ، فهى تكتب سيناريو للاحتجاجات مشابهة تماما لتلك التي حدثت خلال أحداث الثورة ، حيث توقع سلماوي – من خلال أحداث الرواية – أن تتفاقم هذه الاحتجاجات ، بفضل الهواتف المحمولة ومجموعات الفيس بوك ، ومواقع الإنترنت ، ثم تدعي الحكومة – حسب الرواية – أنها كشفت عن مؤامرة مدعومة من الخارج لقلب نظام الحكم ، وتعتقل جميع أقطاب المعارضة ومجموعة الشباب الذين قادوا المظاهرات والعصيان المدني ، ويمضى سيناريو الرواية إلى تخيل خروج مظاهرات حاشدة في جميع أنحاء ومدن مصر ، وإعلان الحكومة حالة حظر التجول ، امتناع معظم الموظفين عن الذهاب إلى أعمالهم والهجوم على مقرات الحزب الحاكم في أماكن عديدة ، فيضطر الحزب الحاكم في النهاية أن يقدم استقالته وتتساقط أقطابه ورموزه الفاسدة ، ثم يبرز ائتلاف القوي السياسية المصرية – برئاسة أشرف الزيني – والذي يعد لانتخابات حرة على مستوى البلاد .

أسلوب محمد سلماوي كان سلس و قريب من القارىء بشدة ، ووضح من خلاله تأثر الكاتب الشديد بمعرفته بمدن ايطاليا و درايته الواسعة بها في سرد تفاصيل كثيرة حول الأماكن السياحية و الأثرية المختلفة التي تدور فيها جزء كبير من احداث الرواية ، ولعل أهمها نافورة العشاق أو الـ(فونتانا دي تريفي) التي يقال عنها أن من يقذف فيها بعملة نقدية تتحقق أمنيته مهما كانت العملة صغيرة ومهما كانت الأمنية كبيرة .

المذهل فعلا هي نهاية الرواية و كيف جاءت كوصف تفصيلي لثورة 25 يناير …عندما قرر الشعب ان يتمرد على اوضاع البلاد السيئة من فساد و تزوير انتخابات وقمع حريات …و كيف ان الجيش قد انحاز للشعب و رفض ان يقمع المتظاهرين ، و كيف انتصرت الثورة في النهاية و تم القبض على رموز الفساد تمهيدا لبدء حياة جديدة بعد ان تحررت مصر وأيضا (ضحى) بطلة الرواية من سلبيتها لتبدء حياة جديدة تكون فيها فعالة قادرة على الابداع و الابتكار حتى في عملها ، وتكون فيها محلقة كالفراشة بعد ان تحررت من الشرنقة التي عاشت حياتها بداخلها .

ومحمد سلماوي نفسه كان اكثر من رائع في رسم الشخصيات فهو يجعلك وأنت تقرأ تتعايش معها و تتفهم معاناتها و دوافعها بل و تتعاطف معها بشكل رهيب . في نهاية الكلام ليس لنا إلا أن نقول أن الرواية في مجملها عمل إبداعي متميز وشائق نابع من الحياة المصرية العامة بشقيها الاجتماعي (الإنساني) والسياسي ، وان كان يعيبها الخطان الدراميان المتوازيان الذي يكاد يكون لا رابط بينهما ، إلا ان احساس الكاتب بالشخصيات كان فعلا على درجة عالية جدا من القوة و الإبداع .

الوسوم