“مصلحة القبور” .. قصة قصيرة

“مصلحة القبور” .. قصة قصيرة

قصة قصيرة  – أحمد أبودياب

على كل ذوى الأموات الذين مرَّ على وفاتهم ثلاث سنوات أو أكثر، سرعة التوجه إلى مصلحة القبور لتسديد الضرائب المستحقة وتجديد شهادة الوفاة، على أن يتم فرض غرامة مالية على المتخلفين عن المواعيد المُعلنة.

سقطت الجريدة من يده وسقط معها لسانه، ما قرأه غير طبيعى بالمرّة.

لم يكتم دهشته، بعد أن فرغ من قراءة الإعلان السابق المنشور فى إحدى الجرائد الرسمية، أغلق عينيه للحظات علّه يفتحهما ثانيةً فلا يرى ما يظنه وهمًا.

مصلحة قبور، ضرائب على الأموات، متخلفين وغرامة، التقط الجريدة ثانية، وما يزال التعجب يستغرق نفسه، أكمل تصفح الصفحة ليجد أعمدة تحوى مقالات عن الموضوع ذاته، بين مؤيد ومعارض ومحايد، طالع رأيًا مسطورًا فى مقالة كانت فحواها “الأمر ليس عقوبة جديدة تفرضها الحكومة على المواطنين، ليست طريقة للتربح ولا حيلة لامتصاص دم الكادحين، هى فقط دعوة للتفاؤل، نعم هى كذلك لو أمعنّا النظر فى المسألة”

ترك الجريدة على الطاولة وهو يضرب أخماسًا فى أسداس، يكاد يجن، كيف تكون الضريبة على الأموات دعوة للتفاؤل! هاه.. ربما لو أكمل بقية المقالة لاكتشف السر الخطير، عاود القراءة: «لاحظنا جميعًا الفترة الماضية مرورًا بوقتنا الحالى، تفشِّى حالات الانتحار بوسائل متنوعة وفى أماكن أغلبها عامة، فكانت الفكرة أن نحبب الناس بالحياة مرة أخرى بعد أن طلّقوها أو أوشكوا، تعزيز العلاقة بين الناس والحياة عن طريق سن قوانين وفرض غرامات، استلهام تجارب واستحداث طرق من شأنها الحد من حالات الانتحار والإنهاء القسرى لحيوات المنتحرين».

 

تخطى المقالة لواحدة أخرى، وهو ينوى المفاضلة بينها بعد فراغه منها كلّها، الثانية تقول “لا ضرر فيما تراه الحكومة وأولى الأمر مناسبًا للناس، طالما لم يخالف الدين ولم يتعارض مع نصوص الشرع، كل زمان له حالاته وعاداته، لا تُعظّموا المطالب قبل أن تستشعروا المآرب، الحياة هبة من الواجد الموجود، منّة لا يقدرها الأشقياء وضعاف النفوس، إذًا هو خير لكم لو علمتم بواطن الأمر، لا تستعجلوا الفهم بغير إمعان، ثبتوا أرواحكم بالحياة وادحضوا بالآمال بؤس القانطين”. وفى نهاية المقالة توقيع لأحد الشيوخ مع صورة له.

وكانت المقالة الثالثة صغيرة جدًا، كلمات قليلة، مرّ عليها بعينيه بسرعة: “احتجاجات ينظمها ناشطون، ردًا على ما أثارته القرارات الجديدة التى أصدرتها الدولة هذه الأيام، وأبرزها مصلحة القبور التى استُحدثت، والضرائب المتعلقة بها”

بعدما انتهى من القراءة، فكر مليًّا فى الأمر، فى أى زمان يعيشون، وإلى أى منقلب سينقلبون، حتى الأموات طالتهم يد الضرائب لتعذبهم فى الآخرة بعد الدنيا!

ربما يكون متحاملًا، ربما هناك شيء لا يفهمه، من يدرى، ربما طوى الجريدة ووضعها على الطاولة، وتحرك بسرعة إلى الداخل، فقد تذكر أن والدته لم تأخذ الدواء الصباحى، ما يُعرّض صحتها للخطر.

الوسوم