مشهد إعدام .. قصة قصيرة

مشهد إعدام .. قصة قصيرة د. محمود القوصي ـ طبيب وأديب - المصدر: الكاتب
كتب -

كتب – محمود القوصي

قصة قصيرة : مشهد إعدام

في ذلك الصباح الغائم ارتفع صياح الديك وهو يدرك أنه يعلن بداية يوم قاتم ، ليس عليه فحسب ، بل على معشر الطيور جميعًا ، ظهر في نهاية الطريق اثنان من الغربان ، عابسان ، مع أولى خطواتهما استيقظ الجميع ، كل الطيور قامت من سباتها الذي ربما كان سباتًا زائفًا بعد ليالٍ مريرةٍ مرت بتلك الحديقة التعيسة ، الوجوم تسيد الموقف والرجفة استحوذت على سائر الطيور دون استثناء .

تقدم الغرابان في خطوات عسكرية ثابتة نحو ذاك الركن البعيد حيث كانت ترقد حمامة مكبلة في أغلال قاسية تشد رقبتها المتقرحة من شدة الجروح إلى قدميها النحيلتين ، التفتت الحمامة لهما بنظرات واهنة خالية من أي تعبير ، فكا وثاقها ، أشارا إليها أن تهم بالوقوف ، حاولت القيام مرة بعد أخرى دون مقاومة ، ولكن محاولاتها باءت بالفشل ؛ فقد امتلأ بدنها بآثار سياطٍ وجروحٍ عديدة وخطوط دماءٍ متجلطة ، اندفعا نحوها وانتزعاها من رقدتها التي استسلمت لها قسرًا لا اختيارًا ، اقتاداها وهما يقبضان على جناحيها الداميان بقسوة تفوح منها رائحةُ كراهيةٍ دفينة وحقدٍ بالغ ، وهى تتلوى بينهما من فرط الألم .

سارا عائدين في نفس الممر ، الكل يحيطون بهم بين خائف أو جبان أو حانق متوارٍ ، لا أحد يجرؤ أن يتفوه بكلمة واحدة أو حتى ينظر في عيون الغربان المتجهمة ، استمر الموكب المتشح بالسواد في تقدمه قاصدًا مقصلة صدئة نصبت في بداية ممر أشجار الزيتون الحزينة ، الغرابان يخطوان والطيور تتبعهم في توجس ، والحمامة الأسيرة تفتح عينيها وتغلقها في ضعف واضح وقد بان لها مصيرها المفجع الذي ينتظرها على مرأي العين .

بلغوا الموضع الذي أقيمت فيه المقصلة ، استدار الغرابان بالحمامة ، ربما كانا يمنحانها لحظات تأمل وحوار عيون مع آخر ما ستراه من هذه الدنيا قبل أن يسلبوا منها الحياة ، التفتت الحمامة للجميع ، حاولت جاهدةً أن تحافظ على عينيها مفتوحة قدر المستطاع ، أدارتهما في عيون من حولها تتفحصهم بنظرات تخلو من أي أمل ، فقد أدركت خلال حياة التعذيب المريرة التي عاشتها منذ مولدها أنها لن تجد بينهم لها نصيرًا أو ثائرًا يحررها مما هي فيه ، كلما التقت عيناها بالعيون التي تحيط بها تجدها جميعًا تستسلم بتلقائية لموجة تسري فيهم من النظر لمواضع الأقدام في رسالة بينة من الاستسلام والخنوع .

أبصرت البومة وقد أخفضت الريشة البيضاء التي تخط بها حِكَم الزمان في مخطوطاتها الثمينة ولكنها أحكمت بجناحها الآخر على حفنة من نقود ذهبية حاولت أن تداريها ولم تفلح ، والديك الذي طالما ترنم بصياحه مؤذنًا في شجن وكأنما ينهل من نفحاتٍ إلهية أو يستشرف وحيًا ساميًا ، هو نفسه الذي يصيح اليوم ويعلن لمعشر الطيور عن أوان تنفيذ الحكم بإعدامها ، يتحدث في صوتٍ واثق ولا يأبه بمن يعلمون أنه استلم بالفعل حصته الوفيرة من تلك الصفقة المشينة ، ولم تتحسر على ذلك الطاووس – الذي أزعجهم كبرياؤه المنفر دائمًا – وهو ينحني دون أي انزعاج للغرابين بل يصفق ويهلل لهذا الموكب العظيم الذي قد بلغ وجهته .

مع كل منظر تراه يزداد ثباتها كما تزداد آهاتها ، فهم لا يستحقون حقًا أن تتحسر عليهم ، لمحت وجوهًا تعج بالنفاق وأخرى اجتاحها الوجل وعيونًا تنطق بالانتهازية وأخرى سيطر عليها الفزع ، مشهد مظلم لم تستوعب كيف وصلت إليه ؟ ولا كيف تغيرت أحوال الجميع ؟ نظرت إلى السماء وتساءلت وسط عبراتها : هل ولّى زمن المعجزات دون رجعة ؟ أين قميص يوسف ؟ من سيلقيه علينا ؟ كيف غاب البشير ؟ هل سيعود البراق ويختطفنا لأرض سلام أخرى ؟ من سيستل سيف الحسين ويقطع رؤوس الأفاعي ؟

خيم الضباب على الأجواء وازدحمت السماء بغيمات أكثر إعتامًا ، أوشك قلبها أن ينطفئ مع اغتيال كل أمل فيه ، لولا أن لاحت لها تلك العيون البريئة ، اختطفتها من غياهب الأمواج التي غاصت فيها ، عينا عصفور صغير تنضحان أملاً وضياءً ، أملاً مشبعًا بأحلام الطفولة الجميلة ، وضياءً متشربًا بقصص الراوي التراثية الملهمة ، نظر إليها العصفور نظرةً حانية ردت إليها ضياء قلبها بعد إظلام ، نظرةً حملت إليها كل معاني الحياة وصخبها وحيويتها ، أبصرته حاملاً سيفًا خشبيًا صغيرًا مثله ويقبض عليه بجناحه الأيمن في حماسة طفولية عذبة ، ابتسمت عيناها للعصفور في وهن ، تنهدت  ورفعت عينيها للسماء مرة أخرى وقد أيقنت أن المعجزات ستُلمَس يومًا ما باليدين وأن الطوفان سوف يتفجر في أوانه من قلوب عذبة قد تاقت للحرية البعيدة وسوف يأخذ في طريقه كل ألوان الظلم والعبودية والخيانة .

استقبلت بوجه هادئ تملؤه السكينة قناع الإعدام ، أمالوا رأسها على المقصلة ، لم تبدِ أي مقاومة ، أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا ، وانتظرت المعجزة .

 

 

 

الوسوم