منذ خمسة عشر عامًا أو يزيد حينما كنت أعبث بأقلامي وألواني رسمت لوحة متواضعة للشهيد محمد الدرة ونُشِرَت في جريدة الأخبار، أذكر وقتها أنني تأثرت بشدة بما حدث مع ذلك الصبي وأبيه ، كنت أعيش حالة من الحزن المختلط بالغضب والثورة ، شعور تملكني ودفعني – وأنا طفل في العاشرة – أن أشكل بأناملي صورة ألم في قلب الضمير الإنساني، لم يكن شعوري أنا فحسب ، بل الجميع عاشوا تلك الحالة ، وكلٌ تفاعل معها بطريقته ، فقد كانت القضية الفلسطينية شعور نحياه ، شعورٌ عربيٌ قوميٌ عامٌ .

فلسطين طالما كانت الوطن (الفكرة) ، فكرة القومية والحرية والثورة تمثلت في فلسطين والقدس ، القضية الفلسطينية كانت شعورًا وحياةً نعيش أيامها وأحداثها ولا نغفل عنها ، عشناها في صبانا إبان الانتفاضات وضربات المقاومة للمحتل الغاصب ، تابعناها وانغمسنا في تطوراتها ، عشقنا أطفال الحجارة في مواجهة الدبابة وتفاءلنا برسومات حنظلة وشعاره (ثورة حتى النصر) ، وهزنا منظر أجساد الشهداء وهى محمولة على الأعناق وملفوفة بالعلم الفلسطيني وتسبح فوق سيول من البشر ، ومدتنا بالقوة عيون الأسرى خلف الأسوار وهى تعج بالتحدي والثبات ، ونُزِعَت أعيننا من محاجرها لمنظر الدماء المختلط بالأرض والتراب .

لم يكن غريبًا أن تبصر مظاهرات أو وقفات لدعم الانتفاضة في الجامعة أو حتى في مدرسة ابتدائية يقف فيها تلاميذ أعمارهم بين السادسة والعاشرة ، ولم يكن ببعيد أن نرى حملات عديدة ينظمها أفراد وجمعيات لجمع مساعدات للاجئين أو المحاصرين أو لكسر الحصار أيضـًا ، ولم يكن بغائب عنا ذلك المعلم الذي يحدث طلابه عن الأقصى ولا ذلك الطالب الذي يقف في طابور الصباح وينطلق لسانه بكلمات ملتهبة عنوانها (القدس عربية) في الإذاعة المدرسية ولا أحدثكم عن طول طابور الشباب الذين توافدوا على بنوك الدم متبرعين بدمائهم لأجل ضحايا الاعتداءات الغاشمة للمحتل على غزة ، هكذا كانت فلسطين دومًا في قلوبنا وعقولنا .. وطن يستحوذ على مشاعرنا وفكرة تستحوذ على تلافيف عقولنا وملحمة دموية تحرك ضمائرنا في درب الحرية .

جلست منذ فترة على أحد المقاهي ، كنت أشرب كوبًا من الشاي حينما جذبني خبر على شاشة التلفاز عن حملات وحشية واعتداءات لجيش الاحتلال على مواطنين فلسطينيين واستشهاد عدد منهم ، وقبل أن أستمع لتفاصيل الخبر أسرع الشاب الذي يعمل بالمقهى وقام بتغيير المحطة وهتف بعلو صوته : إحنا ناقصين هم .. كفاية اللي احنا فيه !!

لا أسرد ذلك الموقف كي أمثله كوضع راهن ؛ لأنه ربما يكون أرحم مما وصلنا إليه ، هل غابت تلك الروح التي عشناها سابقـًا عنا ؟ أم مللناها ؟ أم هناك من أوصلنا لدرجة لا نحتمل فيها أن نسمع أخبار الأرض المحتلة ؟ أم أنستنا نكباتنا الأخيرة في أوطان أخرى نكبتنا الأكبر في فلسطين ؟ أيًا كان السبب وأيًا كانت الإجابة فقد أصبح نسياننا للنكبة وللأرض المحتلة وللشعب الأبي واقعًا ، وتلك الروح التي دائمـًا ما حركت النيران فينا قد خفتت .

وتشعر كما لو أنه أصبح هناك تجاهل وتعتيم على القضية الفلسطينية ، تجاهل منا قادة وإعلاما وشعوبا ، أصبح الكل إما في جهل مقيت – وذلك ليس بمبرر له – أو ينظر لمصلحته وحسب ويقول: نفسي نفسي، وهناك أمور – أقرب للحقائق منها لنظرية المؤامرة – يجب أخذها في الاعتبار ، أولها تجاهل الزعماء العرب للقضية الفلسطينية، أما الإعلام بكافة صوره المرئية والمقروءة والالكترونية ، فقد أصبحت القضية الفلسطينية على هامشه.

السؤال الآن هل للنكبة نهاية ؟ هل بأيدينا أن نغير ؟ إجابة السؤال قد تكون تنظير ولكنها لو وضعت في إطار تحرك قومي عربي وتحرك من قبل كل بلدان الأمة الإسلامية ، فبالتأكيد التغيير سيكون فعال وله تأثيره العالمي ، ومفاتيح التغيير في وسيلتين .. تربيةُ جيلٍ وتسويقُ قضية .

إن أقوى سلاح في وجه البطش والظلم هو تربية جيل قائم على الإيمان بأن فلسطين عربية وأن ادعاءات الصهاينة حول القدس كلها أكاذيب ، فإن بدأنا بجيل يؤمن بفكرة فاعلموا أن الصبح بقريب .

قضية فلسطين تواجه بالتهميش من قبل الدول الكبرى في العالم ، دول العالم المتقدم التي ترعى الحريات وتمجد الإنسانية وفي نفس الوقت تمد إسرائيل بأكثر الأسلحة تطورًا وأكبر الجرافات وآلات الهدم ، تستشعر حين تستمتع لأبواقهم أن هناك حرب إعلامية ونفسية منظمة الغرض منها تزييف الواقع ، إسرائيل الوطن القومي لليهود والقدس عاصمة إسرائيل والفلسطينيون إرهابيون يقتلون اليهود الأبرياء !!

وما نحتاجه هو إخراج القضية الفلسطينية للنور وإبراز الحقيقة للعالم كله ، حتى يعرف مواطنو تلك الدول أنهم مخدوعون في حكوماتهم وإعلامهم ، ولعل أفضل سبيل إلى ذلك هو حملة واسعة المجال ترعاها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وكل الدول الداعمة للقضية الفلسطينية ، هدفها إزالة الجهل العربي والإسلامي أولاً ثم بث الحقائق في جميع أنحاء المعمورة ثانيـًا ، حملة إعلامية والكترونية وميدانية عنوانها (القدس عربية) تتبني أحقية العرب بأرض فلسطين.

إن ما تعرض له الوطن العربي في السنوات الست الأخيرة في سوريا وليبيا واليمن وقبلهم العراق هي نكبات بالفعل ، نكبات استنزفتنا وأراقت دماءنا وأحالت الوطن إلى دويلات يتلاعب بمصائرها المتآمرون ، ولكن هذا لا يعني أن ننسى النكبة الكبرى ، فالنكبة في الأرض المقدسة مازالت مستمرة .

تلك ليست دعوة لنسيان الأبرياء في أوطاننا المكلومة الأخرى ، فكل مجزرة تحدث في سوريا تتقطع معها أحشاؤنا حسرةً على حضارة الشام وأصالة شعبه ، وكل قطرة دم تسيل من جسد طفل ليبي وكأنها تسيل من شراييننا جميعًا ، وكل طلقة تصيب صدر فتاة يمنية وكأنها تصيب صدر الأمة وتذرف دموعها على اليمن السعيد .