أواجه دائمـًا ما يزعجني في كثير من المواقف، حينما يستوقفني شخصـًا ما في الشارع أو السوق أو أي مكان – في الغالب لا أعرفه ويعلم أنني امتهن الطب – ويطلب مني بشكل منمق أو بدونه شريط من الترامادول، وكأنني كطبيب مسموح لي بالترويج للترامادول !! ولكن أكثر ما أزعجني حقـًا وللأسف التعبير الأصح ـ أغمّني ـ ، حينما ركبت توكتوك يقوده طفل صغير لم يتجاوز العاشرة وأخذ يغني إحدى أغاني المهرجانات بشكل جنوني ، فسألته لماذا تغنى هكذا؟ فرد ببساطة وبضحكات أنه يتناول “التراما” يا كابتن، وسألته عن مصدره فرد تلقائيًا دون مراوغة مفصحًا عن اسم صيدلية!

الترامادول .. ذلك العقار الغريب الذي سحر المدمنين في مصر، حتى أصبح يحتل المرتبة الأولى بين العناصر التي تؤدي للإدمان، بل أصبح أيضـًا السبب الأكبر لحوادث الطرق والاغتصاب والتحرش والسرقات، وبمعنى آخر الكارثة الأضخم التي تهدد أجيال بأكملها، حتى أضحى قاتل ينهش في شبابنا .

كم من سائق يتناوله اعتقادًا منه أنه يزيد الانتباه ويبعث النشاط في الجسم فأصبح طريقـًا لوفاته في حادثة شنيعة ؟ وكم من شاب يقبل عليه وقد قيل له عن القدرة الأسطورية للترامادول على المخ التي تجعله يذاكر كالقطار ويحصل ما فاته من مذاكرة فأنفق فيه كل ماله بل تطاول على والديه وسرق واتجه للجريمة حتى يحصل عليه ؟ وكم من زوج اتجه له بعدما نصحه أصدقاؤه بأنه الحل الأكيد للقضاء على مشاكله في العلاقة الجنسية فانتهى به الحال محجوزًا في مستشفى لعلاج الإدمان ؟ بل لنا أن نقول كم من فتاة لجأت إليه وأدمنته بعد أن وصف لها كعلاج لآلام الدورة الشهرية ؟ والأقسى علينا أن نحصي كم من صيدلي قد أتخذه طريقـًا سهلًا للتربح من بيعه بأغلى الأسعار مستغلاً مدمنيه ؟

ما ذكرناه ليس مبالغات، فالواقع هو المبالغة إذا ما قورن بتلك الكلمات اليسيرة، والأمثلة حولنا كثيرة وعديدة، فكل قصة لمدمن ترامادول هي مأساة حقيقة له ولكل من يحيط به .

هناك من يستخدم الترامادول مقتنعًا بأنه يمنحه حيوية ويزيد نشاطه ويساعده على العمل لفترات أطول ، ولكن في الواقع الترامادول بشكل عام عقار مثبط ومهدئ للجهاز العصبي ، ونجد أيضـًا كثيرًا من الشباب والرجال يستخدمون الترامادول متوهمين أنه يمنحهم قوة في الانتصاب ويطيل فترة الجماع ، ولكن ما يغيب عنهم أن استخدامه باستمرار يسبب فقدان القدرة على الانتصاب ، وفي النهاية فشل كامل للعملية الجنسية .

أما عن العمال الذين يتعاملون مع آلات خطيرة والسائقين الذين يقودون لمسافات بعيدة ونراهم يتعاطون الترامادول، فهؤلاء أيضًا لا يعلمون أنه يسبب قلة التركيز وضعف الانتباه وبطء ردود الأفعال وبالتالي نجدهم في النهاية سببًا وضحايا في حوادث الطرق والآلات .

عادةً ما يتناول المريض الترامادول كمسكن ، فله تأثير مباشر على الجهاز العصبي والمخ في تسكين الشعور بالألم ، بما في ذلك الألم الناتج عن الإجهاد البدني ، وعادة ما يتحول ذلك إلى اعتماد نفسى وجسدي كامل على هذا العقار أي يصاب المريض بأعراض كثيرة مثل القلق والتوتر وزيادة افراز العرق والصداع والعصبية إذا لم يتناول عقار الترامادول .

وللترامادول كعقار أضرار كثيرة وأعراض جانبية يعاني منها المدمن مثل التهابات وقرح المعدة وصعوبات في التنفس والشعور بالغثيان وكذلك الدوار والقلق والاكتئاب والصداع والعصبية والأرق والذهان والفصام وربما الرغبة في الانتحار ، ويسبب على المدى البعيد هشاشة العظام وضعف الانتصاب والفشل الكلوي ، جلطات صغيرة بالمخ لبعض الحالات ، وقد يتجاوز المتعاطي الجرعات الطبيعية بطريقة تدريجية مما يسبب انهيارًا وأعراض صرعية وتشنجات قد تؤدى إلى الوفاة .

لو استطلعنا معًا لغة الأرقام والاحصائيات ، سنجد أن أحدث دراسة أعدها صندوق مكافحة الإدمان عن نسب تعاطى المواد المخدرة جاء التعاطي المتعدد أي الذين يتعاطون أكثر من نوع في المرتبة الأولى بنسبة 41% واحتل الترامادول المرتبة الثانية بنسبة 34% ، وحصر الصندوق أسباب انتشار الترامادول في تعدد مصادر الحصول عليه ورخص ثمنه وكذلك ارتباطه بالعديد من المفاهيم الخاطئة خاصة لدى فئات الحرفيين والسائقين .

وإنه لعجيب هذا التصريح الذي قرأته لمدير وحدة طب الإدمان بـمستشفى العباسية للطب النفسي ، فقد صرح بأن نسبة متعاطي الترامادول 40% من عدد المدمنين ، والأمر ليس مقصوراً على الرجال والشباب فقط بل تضم قائمة المترددين على الوحدة للعلاج ربات بيوت، وفتيات في سن المراهقة، وأطفالاً لا يتجاوز عمرهم ثلاثة عشر عامًا !!

هل تتصورون الآن حجم الكارثة التي نحن بصددها ؟!!! لم أكتب كي أعدد صور الظاهرة وأتحدث عما وصلنا له من وضع مزري ، بل دعونا نبحث عن أسلحة نواجه بها ذلك الشبح الذي أودى بحياة الكثيرين ، واختطف من بيننا زهورًا يانعة بلا رجعة أو أحالها للذبول المقيت .

توجد العديد من الحلول لهذه المشكلة ، هناك جانب حكومي ومجتمعي وإعلامي ، أما عن الجانب الحكومي فله العديد من الأوجه ، بداية من المصدر عن طريق ملاحقة المهربين الذين يدخلون ذلك العقار المدمر إلى وطننا بطرق غير شرعية حتى يسمموا أجساد وعقول أبنائنا ، مرورًا بمرحلة الترويج، وهنا علينا أن نتوقف قليلاً ، فيجب أن لا نتهاون مع أي مروج أو صيدلي يبث تلك السموم ويستنزف الأموال في مقابلها ، وإنه لشيء مزري أن تتلوث مهنة الصيدلة بذاك السرطان، فالتحرك يجب أن يكون حكومي ونقابي دون تهاون . ونصل أخيرًا إلى مرحلة المتعاطي الذي يجب أن نعامله – حكومة ومجتمعًا – كضحية لا كمجرم ، يجب أن نحتويه ونمد له يد العون ، فلابد من توفير علاج جسدي ونفسي له ، ليس من خلال مستشفى بعينها ، بل يجب أن تقوم الدولة بعمل مراكز اقليمية في كل محافظة لعلاج الإدمان وتوفر لها كل الدعم ، فهذا استثمار في الثروة البشرية التي هي أمل الوطن .

الجانب المجتمعي له دوره الفعال أيضـًا من خلال إنشاء جمعيات تقوم بدور توعوي حول عاقبة إدمان الترامادول، وعن أهمية عدم التعامل مع المدمن كمجرم بل كضحية ، وتوفر الدعم النفسي للمدمنين ، وتقوم بتأهيل الذين توقفوا عن الإدمان للاندماج مع المجتمع ، وتساعدهم في شق طريقهم العملي كي لا يعودوا للإدمان .

ولا ننكر أن للإعلام دور مؤثر حاليًا ، خصوصًا على فئة الشباب والفتيات ، فلماذا لا نسوق من خلاله حملة توعوية قومية تتولاها كل القنوات والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي ؟ حملة تكون مهمتها تحفيز المدمنين على التوجه للعلاج وتوعية غير المدمنين بالأضرار الجسيمة لعقار الترامادول ، وتبث في المجتمع فكرة دعم المدمنين كضحايا للمصدر والمروجين وتشجيعهم على العلاج وكذلك الإبلاغ عن المتاجرين بأرواح الشباب .

في النهاية المسئولية تجاه تلك المعضلة ليست مسئولية حكومة أو جمعيات أو مؤسسات فحسب ، بل هي مسئولية كل فرد في هذ الوطن ، إذا لم نقف وقفة حقيقية أمام تلك الكارثة ، قد نجد يومًا ما من نحبهم من أفراد أسرتنا أو أصحابنا واقعًا في قبضة ذلك الشبح “الترامادول” .