استيقظ أهالي مركز ومدينة قوص يوم الأثنين 6 مارس 2017 على خبر مؤسف وأليم أصاب الجميع بحالة من الحزن والغم ، حيث سقطت سيارة كبوت في مياه النيل من فوق عبارة نيلية قادمة من نقادة إلى قوص، وتوفي جراء ذلك الحادث 6 أشخاص ولم يعثر إلا على 4 جثث حتى الآن .

لا يوجد توصيف مناسب لتلك الواقعة سوى أنها “كارثة” بكل المقاييس ، كارثة حدثت نتيجة واقع يومي يعيشه آلاف المواطنين في قوص وقراها ، فلا شيء يساوي أرواح تهدر نتيجة الإهمال، والإهمال الذي يؤدي إلى إزهاق الأرواح لا تبرير له بأي شكل.

لقد قرأت في وسائل التواصل الاجتماعي من يكتب : “الإهمال أخطر من الإرهاب” ، ولم لا ؟ فمحصلة إهمال يمس قيمة الحياة والإرهاب واحدة في النهاية !!

هناك نقاط عديدة نحتاج أن نتوقف عندها في ذلك الحادث المفجع ونسلط عليها الضوء ، النقطة الأولى هى غياب الآدمية ، فالكبوت في الواقع مركبة غير آدمية ومعظمها – في الغالب – متهالكة ومعيبة ولا تلتزم بعوامل الأمان والسلامة، ولا نعلم كيف تعبر من بوابة الترخيص القانوني ؟! ويتوجب التحرك لإلغاء استخدامها بشكل كامل في نقل المواطنين ، سواء بين قوص وقنا أو قوص وقراها من خلال مشروع مدروس بدقة يتفادى التأثير على أصحاب تلك المركبات ويتيح لهم استبدالها بميكروباصات أو الاتجاه لمجال عمل آخر من خلال مشروع تنموي .

ويشمل غياب الآدمية وسيلة أخرى ينقل بواسطتها البشر وسيارات النقل الصغير والمتوسط، وعربات الكارو، والدواب وخصوصًا الحمير، كل ذلك يجتمع على سطح تلك كتلة معدنية بدائية لا آدمية، تبحر فى مياه النيل، مفتقرة لمتطلبات الأمان والسلامة، تسمى “عبارة نيلية”.

لا يفوتنا في ذلك الصدد أن ننوه على أن البديل الوحيد الواضح للجميع – تحدثوا أو لم يتحدثوا – هو كوبري فوق النيل يربط قوص ونقادة ، ولو تحدثنا عن ضرورة إنشائه فهو بالطبع حاجة أساسية لخدمة المركزين منذ عقود، فحجم التبادل التجاري ونقل الركاب كبير للغاية بالدرجة التي تتعدى حدود المطالبة بإنشائه أو حتى وضعه في خطة إلى حدود التنفيذ الفعلي.

ومايشعرباللاآدمية فعلا هى “ردود الأفعال”، فالجهات التنفيذية تعلم هموم المواطن المطحون ، وتكون ردود أفعال “صورية” فلا تنفذ إجراءات تفيد المواطن وتحمى حياته، وتوفر له حياة كريمة آمنة ، وإن فعلت ذلك فتفعله لكى تحسن الصورة العامة للسلطات المحلية، وتعطى الأهالي “مسكنات” تنسيهم ما هم فيه من فاجعة، وإن فشلت تسكت الأصوات وتكمم الأفواه .

وليس غريبا ما طالعتنا به إحدى الصحف من تصريح لأحد المسئولين بعد حوالي 12 ساعة من وقوع الحادث، يعلن فيه عن الإنتهاء من دراسات وتصاميم محور نقادة وقوص ، لربط الطريق الصحراوي بالشرقي ،ويقول أنه سيشمل إنشاء عدة طرق وكباري على نهر النيل، وكوبري على ترعة الكلابية بين مركز نقادة وقوص، ويشير إلى أنه سيتم وضعه ضمن خطة العام المقبل !!! وكأن ذلك القرار “التاريخي” سيعيد الأرواح التي قبضت إلى الحياة من جديد !!

ودلالة تصريحات ذلك المسئول هى صراحةً “استخفاف بالعقول” وإهدار لقيمة البشر، وهو ما تجلى بعد فى مشاركة ذلك المسئول في فعالية احتفالية في مكان آخر بعد ساعات من وقوع ذلك الحادث المروع.

وأعتقد أن الاستخفاف بعقول المواطن يرجع إلى سببين أولهما: غياب أو محدودية “ثقافة المطالبة” في الشارع القوصي ، ولو وجدت فإنها تكون فردية لا جماعية ، ولا أثر واضح لها، فلا يسمع صوتها خارج الإطر التى توجد فيها، بل هناك من يثبط الأصوات المطالبة ويقف في طريقها ويكتمها أحيانًا .

والسبب الثاني هو “ضعف التمثيل الشعبي” ، فلا نجد دور حقيقي لنواب قوص وقفط، في الشارع في ظل غياب المجالس المحلية التي لا نعلق عليها آمالاً هى الأخرى.

فنوابنا لا يحتكون بمشاكل المواطن ولا يعيشون آلامه وأوجاعه ، لم نرَ إنجاز تشريعي ولا تنفيذي لهم يستحق الذكر، ولم نسمع منهم حتى ولو مطالبة تساهم في حل مشكلة جوهرية بقوص أو بأي قرية أو نجع.

وفي أوقات الأزمات تلك ، تجد كل الوجوه السياسية الموجود في البرلمان أو خارجه تتسابق مستغلة أي حادث للدعاية والظهور لتحقيق – في وجهة نظرهم الضيقة والأنانية – مكسب شعبى ، دون مراعاة لأي مشاعر إنسانية للضحايا أو ذويهم .

قد يكون الكلام لاذعًا لكن لذاعته لا تكفي لإبانة الحقيقة المؤلمة .. بأي ذنب قتلت ؟! يتقلب الكبوت “غير الآدمي” ويسقط من العبارة “غير الآدمية” إلى النيل .. الضحايا من الغلابة الذين ليس لهم ذنب سوى أنهم ركبوا وسيلة نقل ليس أمامهم غيرها.

اللهم أرحم موتانا وأمنح أهلهم الصير والسلوا