هى إحدى أهم مسببات الوفاة في مصر، وتقارب أعداد ضحاياها أعداد ضحايا حوادث الطرق، في مجتمعات أخري، قد يخطر في أذهاننا عند قراءة هذا السطر أننا نتكلم عن ظاهرة المخدرات مثلا أو الفيروسات الكبدية أو السرطان، لكننا نتحدث عن الثأر، والمأساة الحقيقية تكمن في أن تلك الظاهرة منتشرة في المجتمع المصري بصفة عامة والصعيدي بصفة خاصة.

نعم الثأر هو أحد أكبر مسببات الوفاة في مجتمعنا، ولا أدري كيف تحول المجتمع الصعيدي المحافظ والكريم والمضياف، والمعروف عن أهله الشهامة وإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج، عن هذه الشيم ورضخ لتلك العادات المقيتة؟ ، وعند هذه النقطة يجب علينا التوقف مع أنفسنا للحظة ونسأل حول كيف وسبب أن يكون إنسان سببًا في موت إنسان آخر، بهذه المعدلات الخطيرة وطرق الموت الشنيعة !

فبحسب دراسة أعدها الدكتور حسن سعد الله، الباحث بمركز البحوث الجنائية والاجتماعية، يتضح أنه في الفترة ما بين عامي 2000 و 2009 وقعت حوالي 20000 جريمة قتل في الوجه القبلي والبحري، وقعت منها 300 جريمة عام 2001، وأخذ هذا الرقم يزداد سنويا حتي وصلت أعداد جرائم القتل في النصف الأول من عام 2009 إلي 5000 جريمة قتل ومشاجرة بين العائلات، وبالنظر في مسببات هذه الأرقام الخطيرة والتنامي المتزايد لهذه الظاهرة يتضح لنا أربعة أسباب رئيسية لهذه الظاهرة :-

أولها هو الجهل والبيئة القبلية التي يسودها التعصب القبلي الشديد وتلك المظاهر نراها في العديد من القري وبين العائلات خاصة في صعيد مصر كنتيجة لإهمال النظم التعليمية ودور التثقيف.

أما السبب الثاني فيعود لغياب التحكيم العرفي أو ضعفه الشديد وعجزه عن اتخاذ القرارات الرادعة لإخماد المشاجرات التى تصل في كثير من الأحيان إلي تفاقم المشكلة أثناء الجلسات العرفية بنقض أحد الأطراف للجلسة والوقوع في مشكلة ثأرية أخري، نتيجة الخلل في اختيار منظمي الجلسات والخلل في التحكيم، ومن هذا المنطلق فإنني أؤيد بشدة المقترح الذي تحدث عنه خالد مبارك، أحد أبناء مدينة قوص،  حيث اقترح تشكيل مجلس حكماء لمدينة قوص، يكون له صلاحيات واسعة تمكنه من اخماد مشاجرات الثأر، ويكون مسؤولا عن أي خلل يحدث في منظومة التحكيم العرفي في المدينة .

أما السبب الثالث فيرجع لغياب المجهودات الأمنية فى منع تجارة الأسلحة غير الشرعية، و التراخي في تحقيق العدالة بالقبض علي المذنبين، فكما يقال دائما ” من أمِن العقاب أساء التصرف ” فعندما  يعلم القتلة بعدم مساءلتهم من قبل الأجهزة الأمنية بعد اقترافهم لجرائمهم ستتزايد جرائمهم بشكل مطرد، ولن يتسنى  للأجهزة الأمنية إحكام قبضتها عليهم.

أما السبب الرابع وهو الأهم في وجهة نظري هو الابتعاد الشديد عن الدين واقتصار دور المساجد علي أداء الصلوات، ومن المفترض أن يكون لها دورا فى التثقيف واجتثاث النزعات القبلية والتعصبية فتُذكر المساجد علي لسان خطبائها أهل القرية بما فعله الرسول صلي الله عليه وسلم في أولي خطواته لتكوين الدولة المدنية في المدينة المنورة، التي نقل فيها حق الثأر من القبائل إلي الدولة موحدا بذلك كل القبائل المتناحرة في ذلك الوقت تحت لواء واحد هو الدولة وقائد واحد هو الرسول صلي الله عليه وسلم، فأصلح بذلك بين الأوس والخزرج وجعل السائد هو التزام قبيلة القاتل بتسليمه للدولة – ممثلة في المجالس العرفية أو المحاكم- وتتولي الدولة بعد ذلك إحقاق الحق بالطرق المعروفة سواء بالثأر من قِبل  الدولة أو  بأخذ الدِية وهو ما حقن لاحقا دماء الآلاف من المسلمين، وجعل المجتمع المسلم في حالة من الامن والسلم الاجتماعي وتفرغ لبناء الدولة علي أساس العدالة القوي والمتين .

هذه هي المشكلة ومسبباتها أما حلولها فتتلخص في إحكام قبضة رجال الأمن والشرطة علي الأوضاع الداخلية وإصلاح التشريعات الخاصة بجرائم القتل بما يضمن أقصي تحقيق للعدالة، وأيضا الاهتمام اللازم والضروري بالتعليم وجعله مشروع قومي للدولة بما يضمن مجتمع مثقف يستطيع التعامل بحذر في الأزمات و الخروج من المشكلات الصعبة.، واشتراك المساجد في نشر ثقافة الإسلام السمحة والمعتدلة، ودعمها في تنظيم ندوات تثقيفية للتعريف بالحدود في الإسلام وواجب الفرد في المجتمع تجاه مجتمعه من منطلق إسلامي.

ولعل خير ما اختم به هذا المقال، مقولة لمصطفي صادق الرافعي يقول فيها :”إننا نريدُ لهذا الشعب طبيعـة صارمـة، ينظرُ من خلالها إلي الحياة فيستشعر ذاته التاريخيّـة المجيدة فيعمل فـِ الحياة بقوانينهـا، وهذا شعورٌ لا تُحدثه إلاّ طبيعة الأخلاق الاجتماعية القويّة التي لا تتساهل من ضعفٍ، ولا تتسمح من كذبٍ، ولا تترخّص من غفلة..”