“فإذا فاق الرجل المرأة في القوة البدنية والعقلية فذلك إنما لأنه اشتغل بالعمل والفكر أجيالاً طويلة كانت المرأة فيها محرومة من استعمال القوتين المذكورتين، ومقهورة علي لزوم حالة حالة من الانحطاط تختلف في الشدة والضعف علي حسب الأوقات والاماكن”

كانت تلك بعض من الكلمات القوية والرنانة التي افتتح بها قاسم أمين الفصل الأول من كتابه “تحرير المرأة”، والذي أسهب فيه في وصف حالة المرأة ومشاكلها، وما تواجهه من تحديات في المجتمع المصري بشكل خاص والمجتمعات العربية بشكل عام، تم إصدار هذا الكتاب عام ١٨٩٩ من التقويم الميلادي، وعند ذكر هذا التاريخ يجب علينا أن نتذكر حالة المرأة المصرية في تلك الفترة الغابرة من التاريخ المصري حيث التهميش والظلم والتحقير من قيمة المرأة، وحرمانها أبسط حقوقها كالتعليم والعمل أو حتي حرية الموافقة أو الرفض فيما يتعلق بشريك حياتها. كانت تلك هي حالة المرأة المصرية في تلك الفترة وقد وصفها الكاتب بإتقان شديد في كتابه.

اليوم وبعد أكثر من قرن علي صدور هذا الكتاب القيم في وجهة نظري فإنه من الواجب علينا جميعا أن نعترف بأن  المرأة المصرية قد حصلت علي جزء كبير من حقوقها، وأنها تغلبت علي الكثير من المصاعب الاجتماعية التي تعرضت لها فيما مضي ولم تكن تملك حتي القدرة علي مواجهتها.

فنري المرأة المصرية اليوم وقد حصلت علي حقها في العمل تدافع عن المظلومين في المحاكم وتصدح بصوتها أملا في تعليم الأجيال في المدارس وتبذل ما بوسعها في المستشفيات لإنقاذ المرضي، لكنها أيضا تواجه العديد من المصاعب حتي بعد استحقاقها لتلك الحقوق قانونا، فعقلية المجتمع صعبة التغيير، وتمسك شريحة كبيرة من المجتمع بفكرة ملازمة المرأة لبيتها تجعل من الصعب علي المرأة القيام بما تريد وبما تحب أن تقوم به.

أما في التعليم فقد استطاعت المرأة أن تتحصل علي كامل حقها فيه فوجدنا المرأة المصرية تصل حتي التعليم العالي الذي ساعد علي خلق قيادات نسوية تقود الآن مبادرات التوعية للنساء لتجعل منهن نساء قادرات علي إستحقاق كافة حقوقهن، هذه النقلة الضخمة في أحوال النساء لم تكن وليدة الحظ أو بمحض صدفة، وإنما كانت وليدة حرب ضروس قادتها المتعلمات من النساء ضد الأفكار المتخلفة والركيكة.

كانت تلك الحقوق التي تحصلت عليها المرأة نتيجة لرفضها التهميش من قبل المجتمع ونتيجة لوقوفها أمام المصاعب التي تعرضت لها، وهنا يجب علينا أن نؤكد علي ضرورة تعليم المرأة لضمان استمرار تمتعها بحقوقها المكتسبة لأن المجتمع لن يقدم لها تلك الحقوق علي طبق من فضة وإنما عليها أن تحافظ عليها بقوتها وعزيمتها.

علينا أن نعلم المرأة الأخلاق الفاضلة وقواعد الدين واسسه الوسطية لأنها هي التي سوف تنقل تلك القيم للأجيال القادمة، وباعتبار أن الأسرة من أكبر وأعظم إنجازات المرأة،  لذلك علينا آلا نقلل من قيمة هذا الإنجاز ونعتبره  أحد أشكال تقويض المرأة -كما يعتقد البعض- ولكن علينا أن نحفز المرأة علي تكوين الأسرة المبدعة والمتعلمة لآنه كلما تحسن وضع المرأة تحسن وضع الأسرة وتحسن وضع المجتمع.

لكن أيضا علينا أن نعترف بأن المرأة لم تتحصل علي كامل حقوقها في كثير من الأماكن ولم تتحصل علي أبسط حقوقها في بعض المناطق المحدودة، ولهذا السبب فإنني أدعوا النساء إلي متابعة طريقهن في نضالهم نحو تغيير صورتهن النمطية في المجتمع وتثقيف وتعليم بناتهن لتستمر المسيرة وتكلل بحصولهن علي حقوقهن جميعها، لتتغلب علي فساد المجتمع الفكري، وما يعيقها عن متابعة نجاحاتها المستمرة.

جاءت كتابتي لهذا المقال في إطار سعادتي الكبيرة بتولي سيدة منصب رئيسة المجلس المحلي لمدينتي الغالية وهي السيدة هدي مغربي، وما وجدته في هذه السيدة من القوة والتفكير الجيد والتخطيط السليم علي الرغم من إنها لم تتولي المنصب إلا منذ فترة وجيزة، وعلي الرغم من ما واجهته من رفض في بعض الأوساط في المدينة، وما واجهته من محاولات للتقليل من قيمة مجهوداتها، داعيا أن يوفقها الله في مبتغاها وأن تكون قدوة للنساء في مدينتي.