قصة قصيرة .. تنفس صناعي

قصة قصيرة .. تنفس صناعي د عبد الرحمن عصام طبيب جراحة أورام بمستشفى شفا الأورمان بالاقصر
عبد الرحمن عصام طبيب جراحة أورام بمستشفى شفاء الأورمان بطيبة

أعرف هذا الصوت جيدًا، تلك الأجهزة التي لا تكف عن إطلاق صافرات تثير التوتر في نفوس الجميع ولكنه مألوف بالنسبة لجراح مثلي لطالما رافقه ذلك الصوت في حجرة العمليات طوال سنين عملي الماضية، حتى صار كالاوركيسترا التي تعزف مقطوعاتها تبعا لإشارات أنامل الجراحين الذهبية.

ولكن مهلا .. هل ما زلت رغم ما مضى من عمري أحمل بعضا من ذكريات العمل إلى أحلامي، كما اعتدت في بداياتي؟؟ لا أذكر أني كنت في المشفى حين اسدلت عيناي الستار لأرحل بروحي عن عالمي.

يبدو أن جسدي لم يحتمل ما يتدفق في رأسي من خيالات و أفكار فأجبرني على إيقاف التشغيل وإحالة جسدي إلى الراحة مرة أخرى فلم أصل إلى إجابة عن السؤال الذي بدا يلوح من خلف ضباب الأفق الكثيف ” ماذا حدث لي؟” مضى من الوقت، لا أعلم إن كان دقائق او أيام ولكني أفقت هذه المرة و قد بدا ذهني أكثر صفاءً بالقدر الذي جعلني أدرك اني كنت تحت تأثير أدوية مخدرة، لأظل في حالة سكون فيما يتدفق الأكسجين إلى رئتاي اللواتي اصابتهن علة ما.

وهو ما بدأت في استنتاجه من تلك الأنبوبة اللعينة التي أقحمت في فمي لتمر إلى حنجرتي كي تمنح رئتي الحياة رويدا شعرت بتدفق الروح في أوصال جسدي حين بدأت يداي في محاولة استكشاف الموقف بما تحمله من أجهزة لإعطاء الأدوية و المحاليل و أجهزة حولت ما تبقى من حياتي إلى أرقام و رسوم فوق الشاشة التي تعلو سريري ولا تكف عن الضجيج.

و كأنها تحكي لطبيبي المعالج قصتي البائسة بشفرة خاصة يدركها وحده.. سأتذكر أن اسأل زميلي العزيز عن أسراري الذي كشفها هذا اللعين حين كنت أنا أسبح في ملكوت آخر.

بدأت ألوح بيدي أمام عيني ولكن نظاراتي الطبية كانت غائبة عن هذا المشهد فلم أرى إلا إشارات ضبابية أدركت منها إني عدت إلى ذاك الجسد الممد في أحد أسرة العناية المركزة.

سرعان ما هللت الممرضة واستدعت الطبيب “دكتور عبدالرحمن رجع يا دكتور “، ليلحق بصوتها صوت خطواته المتسارعة حاملًا معها شريط ذكريات ما حدث قبل ان أصل إلى هنا.

وحين شرع في فحصي للتأكد مما أخبرته به الممرضة تذكرت إني كنت مكانه منذ أيام أهرول في أحد المستشفيات الميدانية بين مريض وآخر قد اخترق الفيروس اللعينة رئاتهم وشرع في تمزيق انسجتها وخنق أرواحهم بلا رحمة و قد بلغ الإرهاق منا مبلغه حتى لم يعد يدرك أحدنا إن كانت آلام عضلاتنا و عظامنا هي من العمل المتواصل والنوم المتقطع فوق الكرسي الخشبي القاسي أم أنها بوادر تلك العدوى.

وتسلل ذاك اللعين إلى جوف صدورنا. وضع طبيب العناية يده فوق رأسي و همس لي ” حمد لله على سلامتك يا بطل، انت ربنا كتبلك عمر جديد”.. كانت يده فوق جبهتي دافئة ليست كتلك التي شعرت بيها كسقيع ديسمبر و قد بدأت أفقد وعيي ببطء مميت، ولكن أصوات زملائي بدأت تعيد نفسها في ذاكرتي وهي تعلم أن حرارتي ترتفع بشدة و الفحوصات تعلن إصابتي بالمرض. و لم يعد بمقدور صدري أن يحمل من الهواء إلا القليل ولا أن يخرج إلا الأقل.

ولم تعد قواي لتستطيع الصمود أمام إعلانهم عن ضرورة وضعي على جهاز تنفس صناعي، وأعلن عقلي ثورة جامحة من الأفكار حول ما تبقى في حياتي من أيام أو ساعات ، رأيت أبواب يحيطها الظلام لست أدري هل تدور خلفها أحداث نهايتي أم عودتي إلى الحياة رأيت وجه زوجتي و ابنائي ووالدي وأخوتي، رأيت كل مبضع ومقص حملته بين أصابعي. سمعت صوت ضحكتي ورأيت آثار الدموع محفورة في وجهي ثم توقف كل شىء.

الوسوم