قراءات في كتاب “تيجان تهاوت” للكاتب محمد عبدالغني حسن

قراءات في كتاب “تيجان تهاوت” للكاتب محمد عبدالغني حسن كتاب تيجاون تهاوت- تصوير محمود القوصي
كتب -

كتب – محمود القوصي: أديب وطبيب

مما قرأت : قراءات في كتاب (تيجان تهاوت) للكاتب محمد عبدالغني حسن

تيجان تهاوت .. اسم شيق وجذاب لكتاب أُعِيدَ نشره منذ ما يزيد عن عام ونصف العام ضمن مشروع مكتبة الأسرة الذي تنفذه الهيئة المصرية العامة للكتاب ، اسُتِهِلَّت صفحاته بآية قرآنية : “قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (آل عمران – آية 26)

وقبل أن نخوض في الحديث عن الكتاب ، دعونا أولاً أن نورد حكاية الكاتب محمد عبد الغني حسن ، كثيرون هم من لا يعرفون محمد عبدالغني حسن (1907 – 1985 م) على الرغم من ثراء كتاباته وغزارة أعماله وتنوعها في دروب التأليف المختلفة ، فهو عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذي حاز على جائزة الدولة التشجيعية ووسام النيل ووسام الجمهورية ، له 5 دواوين شعرية ، وكتب دراسات أدبية وإسلامية عديدة علاوة على الكتب التاريخية المكتوبة بأسلوب أدبي ، وحقق العديد من كتب التراث وترجم أيضاً من الإنجليزية مؤلفات مختلفة ، هذا هو محمد عبدالغني حسن الشاعر والأديب والباحث والمترجم!!!

والكتاب الذي بين أيدينا هو أحد المؤلفات التاريخية المكتوبة بأسلوب أدبي قصصي سردي أي يمكن أن نسميها حكايات تاريخية ، يقص المؤلف علينا من خلال كلماته قصص انهيار الدول وتهاوي التيجان وزوال السلطان عبر عصور مختلفة وأماكن متباينة ، بأيدي غزاة أو عدو أو من خلال حراك عسكري أو شعبي ، أمم تدفع أمم ، ودول تقام على أطلال دول ، والزمن يمضي والتاريخ يسطر أحداثه.

في قوام اثني عشر فصلاً ، تناول الكاتب الكبير محمد عبدالغني حسن نهايات حكام وملوك وأوقات زوال ملكهم في إطار تعدد واضح حين تسير مع صفحات الكتاب ، تعدد أتخذ أشكال عديدة ، ما بين زمنية وجغرافية وكيفية أي كيف تحدث النهاية؟

لو تتبعنا أولاً التعدد الزمني ، سنجد أن الكاتب غاص بنا في دول الإسلام الأولى ، من نهاية دولة السند في العصر الأموي ، فنهاية دولة بني أمية نفسها ، فدحر دولة بني العباس على يد المغول ، ثم الفاطميين والمماليك ، انتهاءً بالعصر الحديث من سقوط الخلافة العثمانية والقيصرية الروسية والملكية الألمانية.

أما عن تعدد المناطق الجغرافية المختارة ، فتراوحت الدول التي تحدث عن زوالها الكاتب من روسيا القيصرية في أقصى الشرق مروراً ببلاد السند ووسط آسيا وبلاد فارس وصولاً للعراق والشام ومصر وتركيا انتهاءً بأوروبا غرباً وفيها تناول المؤلف ألمانيا وفرنسا وانجلترا وإسبانيا (الأندلس).

وأخيراً في درب التعددية ، نصل إلى التعددية الأهم النابعة من العنوان وهى تعددية النهاية ، فقد اختلفت اختلافاً جذرياً حسب الزمان وتبعاً للأمم والدول ، فذاهر ملك السند قتل في معركة قرب نهر مهران وحطم صنمه الأهم (البد) في مدينة (الديبل) بمجانيق محمد بن القاسم ، ومروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية – والملقب بالحمار – هرب من مكان إلى مكان حتى قتل في مصر طعناً بأيدي جواسيس العباسيين ثم قطعت رأسه وأرسلت لبغداد ، والخليفة المستعصم آخر خلفاء بني العباس ركل بالأيدي ورفس بالأرجل من قبل جنود هولاكو في زكيبة ربط عنقها على رأسه حتى مات ، يا لها من ميتة مهينة!! والعاضد آخر حكام الفاطميين في مصر مات مريضاً في فراشه من شدة الحسرة بعد أن كان قد رأى رؤية – أضحت نافذة ومحققة – بزوال عرشه وذهاب سلطانه ، أما طومان باي آخر سلاطين الدولة المملوكية ، فقد شنقه العثمانيون وصلبوه على أحد أبواب القاهرة.

ونهاية العثمانيين وسقوط الخلافة معهم كانت نهاية مشهودة ، فتم إعلان الجمهورية التركية وبعدها تم إلغاء الخلافة ، وتبع ذلك حرمان آل عثمان من التواجد في البلاد ونزعت منهم الجنسية التركية ونقلت ممتلكاتهم وقصورهم وكنوزهم إلى الأمة !!

ونصل إلى أوروبا الحديثة وروسيا القيصرية ، فقد شهدت إنجلترا إعدام الملك شارل الأول على يد الثوار بتهمة الخيانة ، وقيصر روسيا نيقولا الثاني هو الآخر أعدم رمياً بالرصاص مع أسرته وأطفاله ببنادق الثورة الروسية.

جمع الكتاب نقيضين تاريخيين ، الأول فتح إسبانيا والثاني سقوط الأندلس ، فسنجد حينما نتصفح الكتاب فصلاً كاملاً عن نهاية دولة القوط الإسبانية على يد الفاتحين المسلمين موسى بن نصير وطارق بن زياد ، وما تواتر عن نهاية آخر ملوك القوط رذريق الذي أشيع أنه أثناء المعركة الأخيرة قفز في النهر هرباً من الموت ولم يعثر عليه فيما بعد ، وفي رواية أخرى أنه قتل بسيف طارق بن زياد ، إيذاناً بزوال ملك القوط وبداية حكم الأندلس العربية.

وهناك فصل آخر يتحدث عن سقوط آخر ممالك المسلمين في الأندلس أي سقوط غرناطة ، ويحكي المؤلف عن خروج آخر ملوك بني الأحمر أبو عبدالله محمد بن أبي الحسن من قصر الحمراء وغرناطة بعد تسليمها لملوك قشتالة فردناند وإيزابيلا ، حيث بكى فوق ربوة عالية مطلة على المدينة فنهرته أمه على ذلك ، ولم يطق البقاء في البشرات التي أجبر على المكوث فيها ، فخرج إلى المغرب مع أسرته.

لم يتوقف الجانب الأدبي في الكتاب عند الأسلوب القصصي فحسب ، بل أورد أشعاراً كثيرة متعلقة بأحداث النهاية لكل تلك الدول التي ولت ، منها أشعار نصر بن سيار وعمارة اليمني وعنترة بن شداد والعماد الأصفهاني والرندي وغيرهم من شعراء العصور المختلفة.

والجانب التاريخي أيضاً لم يكن سردياً فحسب ، بل أورد مقتطفات كثيرة من ذخائر كتب التراث والتاريخ العربي والإسلامي ، ومن أبرز من أخذ عنهم في ذلك الكتاب من المؤرخين : ابن كثير صاحب البداية والنهاية وابن إياس صاحب بدائع الزهور في وقائع الدهور وابن الأثير صاحب الكامل في التاريخ وابن طباطبا وأبي العباس أحمد القلقشندي صاحب صبح الأعشى في صناعة الإنشا والمقري صاحب نفح الطيب.

لم تغفل القصص والحكايات عن الجوانب الإنسانية في قصص النهاية وهذا ملحوظ بدرجة بالغة في قصة إعدام نيقولا الثاني آخر قياصرة روسيا ، حيث يصف الكاتب كيف تم اقتياده مع ابنه الصغير وزوجته وبناته الأربع لغرفة سفلية ، وكان يسير بوقار مرتدياً بزة عسكرية لم تخفِ شحوبه الواضح ، ثم يستطرد في حكي كيف تم إعدامه أولاً برصاص يورفسكي وتبع ذلك قتل كل الأسرة دون رحمة !! والجوانب الإنسانية بارزة في كل القصص الخرى خصوصاً قصة نهاية العاضد الفاطمي وسقوط غرناطة أيضاً.

وفي كل القصص ، يخلص الكاتب إلى أن بوادر نهاية السلطان وزوال الملك عديدة ومتكررة ، منها انغماس الحاكم في الملذات وسوء البطانة وانتشار الظلم والفساد والانحطاط الأخلاقي ، علاوة على التنازع والانقسام وكثرة الضرائب ، وترك الرعية في فقر وجوع ومرض.

وفي آخر القول ، حين نقرأ نجد النهاية واحدة بأوجه مختلفة ومسميات عديدة ، ولكنها النهاية في كل الأحوال ، مثلما عهدنا الحضارات والأمم تدفع كل منهم الأخرى ، لتحل محلها ، بوادر النهاية متشابهة ، أمم تموت وأمم تولد ، سلطان يذهب وآخر يبزغ ، ولكن كل التيجان سيقال عنها ذات يوم (تيجان تهاوت).

 

الوسوم