قراءاة في كتاب (فلسطين .. السلام لا التميز العنصري) لـ جيمي كارتر .. الحلقة 2

قراءاة في كتاب (فلسطين .. السلام لا التميز العنصري) لـ جيمي كارتر .. الحلقة 2 د. محمود القوصي ـ طبيب وأديب - المصدر: الكاتب

عرض – محمود القوصي:

قراءات في كتاب (فلسطين .. السلام لا التمييز العنصري) لـ جيمي كارتر .. الحلقة الثانية استكمالاً لما بدأناه سابقًا من عرض لكتاب (فلسطين .. السلام لا التمييز العنصري) لمؤلفه الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر حيث تناولنا فصول عدة من الكتاب ، يشاركنا فيها معرفته بتاريخ الشرق الأوسط وخبرته الشخصية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي ، ويقدم نموذجًا لما يجب – في وجه نظره – عمله من أجل جلب السلام في فلسطين وإسرائيل ، ويضع تصورًا لإقامة دولتين تتقاسمان الأرض المقدسة دون نظام تمييز عنصري أو خوف مستمر من الإرهاب – حسب تعبيره –

وتحدث كارتر في فصوله عن فرص نجاح عملية السلام وزيارته الأولى لإسرائيل 1973 وفترة رئاسته للولايات المتحدة واستعرض تاريخ ومواقف الفلسطينيين والإسرائيليين ودول الشرق الأوسط في أسلوب ينصف الفلسطينيين بوضوح ولكن في نفس الوقت يحمل النظرة الغربية للقضية الفلسطينية وإن كانت أكثر حيادية بدرجة كبيرة . تناول كارتر اتفاقية أوسلو التي عقدت 1994 م ، وتزعم محادثاتها ياسر عرفات من الجانب الفلسطيني وكل من إسحاق رابين وشيمون بيريز من الجانب الإسرائيلي ، وكان لها مكتسبات مقبولة من كل الأطراف ، ومنها : اتفاقية سلام مع الأردن ، استعداد رابين للتفاوض مع سوريا ، استكمال اتفاقية أوسلو في مايو 1994 التي تضمنت تعهد بانسحاب القوات الاسرائيلية من مناطق عديدة منها غزة وأريحا وتحويل السلطة المدنية للسلطة الفلسطينية ، والتزام بالانتخابات لتشكيل هيكل حكومي للفلسطينيين . ولكن يبدو أن طريق السلام لابد وأن يكون محفوفـًا بالصعاب والمؤامرات ، فقد اغتيل اسحاق رابين على يد متعصب ديني إسرائيلي من الجناح اليميني في نوفمبر 1995 وذلك كان جريمة وأد في حق اتفاقية أوسلو ، فقد انقلبت القيادات السياسية على الاتفاقية بعد رحيله ، وهذه كلمات نقلها كارتر وتمثل خير دليل على الموقف العنصري لقادة إسرائيل ، حيث يقول آرييل شارون : ” اتفاقية أوسلو كانت انتحارًا وطنيًا وعلى كل واحد أن يتحرك ويركض ويختطف أكبر عدد يستطيعه من قمم التلال لتوسيع المستوطنات ؛ لأن كل شيء نأخذه الآن سيبقى لنا .. وكل شيء لا نمسك به سيذهب إليهم “.

وانتقل كارتر للحديث عن الانتخابات الفلسطينية 1996 م ، التي شارك مركز كارتر الدولي لدعم السلام والديموقراطية في مراقبتها ، وكانت نتيجة المراقبة مدهشة بالفعل ، حيث وصلت نسبة المشاركة من الشعب الفلسطيني 75 % ، وبلغت نسبة المشاركة في غزة 85% مع نسبة المشاركة النسائية مرتفعة جدًا ووصفها كارتر بأنها كانت حقـًا مفاجأة ، وكانت نسبة المشاركة في قرية بجنين 60% رغم استشهاد 3 فلسطينيين على يد الشرطة الإسرائيلية ، وكانت نتيجة عملية الاقتراع أن 88% صوتوا لياسر عرفات رئيسًا للسلطة الفلسطينية ، و75% صوتوا لحركة فتح في المجلس التشريعي ، وبذلك سجل جيمي كارتر شهادته في فصل كامل على هذا النموذج الديموقراطي الفريد وأثبت فيه قدرة الفلسطينيين على صنع إرادتهم وحريتهم من خلال انتخاب نزيه لسلطة تمثلهم في كل المحافل الدولية.

واستعرض جهود بيل كلينتون في طريق السلام بأرض فلسطين أثناء توليه رئاسة الولايات المتحدة ، حيث دارت جهوده حول نقاط عدة شملت : مناقشة وضع المستوطنات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ، وهيكلة الترتيبات الأمنية وإعادة انتشار القوات الإسرائيلية بشكل آخر وإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين ، واستئناف مفاوضات الوضع الدائم للسلام بين الجانبين ، وبالطبع لم ينسى وضع السلطة في القدس حيث أراد أن يحكم العرب الأحياء العربية وتحكم إسرائيل الأحياء اليهودية أما قبة الصخرة والمسجد الأقصى فيتبعان السلطة الفلسطينية وباقي الأماكن المقدسة تتبع إسرائيل .

وعن فترة جورج بوش الأبن في البيت البيض ، تحدث كارتر عن «خريطة الطريق» التي أعلنها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في شهر أبريل 2003 لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني نيابة عن المجموعة الرباعية (الأمم المتحدة ، الولايات المتحدة ، روسيا ، الاتحاد الأوروبي) وقال أنها تسوية سوف : تؤدي لظهور دولة فلسطينية مستقلة وتنهي الاحتلال الذي بدأ منذ 1967 ويحكم مبدأ الأرض مقابل السلام . وقبل الفلسطينيون بخريطة الطريق في كليتها ، ولكن إسرائيل أعلنت 14 شرطًا منها : فك كل المجموعات الفلسطينية المقاتلة وجمع كل الأسلحة ، سيطرة إسرائيل على فلسطين ، ومن ذلك الدخول والخروج لجميع الأشخاص والشحنات والفضاء الجوي ووسائل الاتصال والإعلام ، التنازل عن أي حق لعودة اللاجئين إلى إسرائيل ، لا مناقشة للمستوطنات الإسرائيلية في كل المناطق ، لا مناقشة لوضع السلطة الفلسطينية ومؤسساتها في القدس ، وبالطبع فإن النتيجة العملية لكل هذا أن خريطة الطريق قد صارت لا معنى لها !! ثم جاءت مبادرة جنيف 2003 م ، والتي تزعم جهودها نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بيلين وياسر عبد ربه وزير الإعلام والثقافة الفلسطيني السابق ، وشملت المبادرة : حدود آمنة لإسرائيل واعتراف عربي بها ، دولة ذات سيادة لفلسطين واعتراف دولي بها ، الحد المقسم مبني على خطوط 1967 مع تبادل للأرض متبادل شاملاً مستوطنات ومناطق بالقدس وأماكن دينية ، السماح لعدد من اللاجئين بالعودة لأراضيهم في إسرائيل وتعويض غير المسموح لهم تعويضًا مناسبًا .

وفي استطلاع راي أجراه معهد جيمس بيكر ، توصل لأن أكثرية الإسرائيليين والفلسطينيين وافقوا على مبادئ جنيف على الرغم من معارضة بعض الزعماء ، وفي إطار ردود الأفعال تجاه مبادرة جنيف كان هناك موافقة علنية من رؤساء فرنسا وأمريكا ورئيس وزراء بريطانيا و80 آخرين من زعماء العالم وحملة جوائز نوبل ومنهم نلسون مانديلا ، وموافقة من قبل الجانب الفلسطيني ، والمفاجأة كانت إدانة شارون لمبادرة جنيف وسط صمت أمريكي !!

توفى ياسر عرفات عام 2004 ، وبالطبع تبع ذلك عقد الانتخابات الفلسطينية الرئاسية عام 2005 والتي شارك في مراقبتها مركز كارتر وحسمت بفوز الرئيس محمود عباس أبو مازن .

بعد الانتخابات تم نقل المستوطنين من غزة في أغسطس 2005 ؛ لتقليل العنف ثم توافد اللاجئون من المناطق المحتلة إليها حتى وصل تعداد سكانها 1.4 مليون نسمة ، وأصبح معدل النمو السكاني بغزة 4.7% سنويًا فترتب على ذلك خنق إسرائيلي عبارة عن جدار فصل للقطاع إلا نقاط تفتيش إسرائيلية وفتحة للأفراد إلى سيناء حتى وصل معدل الفقر في القطاع 70% .

خلال نفس الفترة انسحب شارون من حزب الليكود وأنشأ حزب كاديما الذي يدعي أن تقدم عملية السلام مع الفلسطينيين هو غاية أولية ووجوب إقامة دولتين أمتين تعيشان في سلام وجنبًا إلى جنب !!!

وفي يناير 2006 ، عقدت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني ، وقامت حركة فتح باستبدال مرشحيها بآخرين أكثر شبابًا موالين لمروان البرغوثي ، ولكن مفاجأة ذلك السباق كانت فوز حماس بـ 74 مقعد في المجلس التشريعي ، وبالتالي استقالت حكومة فتح وشكلت حماس حكومة يترأسها اسماعيل هنية .

اعتبرت إسرائيل وصول حماس للحكومة – وهى تصنفها هى وحليفتها أمريكا كجماعة إرهابية – هو عقبة في طريق عملية السلام ، وكان استكمال الجدار العازل هو الحل الوحيد في وجهة النظر الاسرائيلية العنصرية لحل القضية وللتعامل تجاه حماس ، على الرغم من إجراء استطلاع من قبل معهد ترومان للبحوث في الجامعة العبرية مارس 2006 وأظهر أن 62% من الإسرائيليين يدعمون المحادثات المباشرة مع حماس !!

أما عن الجدار العازل ، فخصص له كارتر فصلاً كاملاً تحت اسم (الجدار سجنًا) ، حيث أدعت الحكومة الإسرائيلية بأن حاجزًا محيطًا سوف يحل المشكلة الفلسطينية ، ولكن الهدف هو اكتساب الأرض ثم الفصل العنصري للفلسطينيين مسلمين أو مسيحيين .

أقامت حكومة شارون/أولمرت الجدار كاملاً داخل الأراضي الفلسطينية ودخلت في عمق الضفة الغربية لتحيط بالمستوطنات ومساحات كبيرة من أراضي فلسطينية أخرى ، فهو يزحف ويتلوى في الأرض الفلسطينية كالثعبان .

عزل الجدار 375000 فلسطيني إلى الجانب الإسرائيلي و175000 فلسطيني خارج القدس وفرق عائلات كثيرة ، كما طوق مدينة قلقيلية الفلسطينية كاملةً – 45000 نسمة – وصودرت معظم أرض الفلسطينيين فيها وثلث مصادر المياه ، وطوق أيضـًا 170000 مواطن في بيت لحم مكان ميلاد المسيح عليه السلام .

ويذكر أن محكمة العدل الدولية في يوليو 2004 حكمت بأن إنشاء الحكومة الإسرائيلية لجدار الفصل في الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة عمل غير قانوني وأقر القاضي – وكان أمريكي الجنسية – بان الفلسطينيين تحت احتلال ولهم حق تقرير المصير وإسرائيل ملزمة بالتقييد بالقانون الإنساني الدولي .

ويخلص كارتر في آخر فصوله رؤيته لحل القضية الفلسطينية في فصل بعنوان (الخلاصة) ، ويحدد عقبتين – من وجهة نظره الغربية – أمام السلام الدائم في الشرق الأوسط ، أولاهما اعتقاد بعض الإسرائيليين أنهم يمتلكون الحق في مصادرة الأرض الفلسطينية واستعمارها ومحاولتهم تبرير الإخضاع والاضطهاد الدائمين للفلسطينيين ، وثانيهما أن بعض الفلسطينيين يحترمون المتفجرين الانتحاريين ويعتبرونهم شهداء ويعتبرون قتل الإسرائيليين انتصارات .

وعن عوامل زيادة العنف والاضطراب ، فمنها : تغاضي البيت الأبيض ومجلس الشيوخ عن الأعمال غير القانونية لإسرائيل ، اللامبالاة لدى الزعماء العالميون تجاه سياسات امريكا وإسرائيل في التعامل مع القضية ، عزل الحكومة الفلسطينية الجديدة بعد انتصار حماس في الانتخابات الفلسطينية 2006 .

ويرى أن متطلبات السلام تتضمن : ضمان أمن إسرائيل واعتراف العرب بأن إسرائيل حقيقة واقعة ولها الحق في أن تعيش بسلام ، استقرار الحوار الداخلي في إسرائيل لكي يصل إلى حل فيما يتعلق بالحدود القانونية ، احترام سيادة كل دول الشرق الأوسط وحرمة الحدود الدولية .

وأورد في ذيل كتابه استطلاع رأي ذو حيثية هامة للغاية نشرته جريدة انترناشيونال هيرالد تريبيون في أكتوبر 2003 وشمل 7500 مواطن في 15 بلدًا أوروبيًا يشير إلى أن إسرائيل تعتبر قمة التهديد للسلام العالمي قبل كوريا الشمالية وإيران وأفغانستان !!

وأخيرًا جمع جيمي كارتر ملاحق تدعيمًا وتوثيقًا لكل ما تحدث عنه في كتابه ، منها خرائط للشرق الأوسط وحدود فلسطين ومشروعات التقسيم المختلفة ، ونص قرارات الأمم المتحدة 242 لعام 1967 وقرار 338 لعام 1973 ، وبالطبع نص اتفاقية كامب ديفيد 1978 ، ونص اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية 1979 .

الوسوم