في ذكرى الثورة ” قصة قصيرة”

في ذكرى الثورة  ” قصة قصيرة” د. محمود القوصي ـ طبيب وأديب - المصدر: الكاتب

البشــــــــــارة

كتب – محمود القوصي

نزلت درجات السلم خارجًا من منزلي ، واتجهت صوب أقرب عربة متجهة نحو منطقة وسط البلد ، الحركة المرورية يومها كانت في منتهى الهدوء ، وشارع القصر العيني خاليًا إلا من بعض السيارات الخاصة وحافلات النقل العام التي تسير في انسيابية تتناسب مع الهدوء الذي يغلب على المكان ، لم أكن أعلم أن هذا هدوء سوف تتبعه عاصفة تطيح بجميع الرؤوس المتوحشة . وصلت قبل صلاة الجمعة بوقت كاف ٍ، وتوجهت نحو أحد مساجد وسط البلد ، في طريقي نحو المسجد مررت بالعديد من المقاهي التي امتلأت بعدد ليس بقليل من الأشخاص على غير العادة في هذا الوقت من الأسبوع ، كنت أعلم يقينـًا أنهم تابعون لوزارة الداخلية ، ولكنهم يرتدون الزي المدني في سبيل التمويه أو إخفاء هويتهم الحقيقية ، فكل شخص في هذه الحكومة وهذا النظام كان يوظف لإجهاض الحريات وإسكات أصوات الحق . بعد انقضاء الصلاة ، لمحت بعض أصدقائي قرب الباب الرئيسي للمسجد ، خرجوا واحدًا تلو الآخر ، فتبعتهم ، وفور انضمامي للمجموعة التي تزايد عددها بشكل سريع وأصبحت بالمئات ، أخذنا نهتف : الشعب يريد إسقاط النظام .. الشعب يريد إسقاط النظام ،

أنضم لنا الكثير من المواطنين الخارجين من المسجد والسائرين في الشوارع القريبة ، حتى أصبحنا آلافــًا ، وصياحنا يتعالى أكثر وأكثر بسقوط النظام ؛ فالشعب كله قد بلغ ذروته من الغصب الذي ملأ القلوب والفساد الذي أطبق على الصدور وأطاح بكرامة المواطنين ، سلكنا أحد الطرق المؤدية إلى ماسبيرو في مسيرة مهولة هتافها يرج الشوارع المحيطة ، وتجمعنا عند تمثال الشهيد عبد المنعم رياض ، ثم انضمت لنا مسيرة نسائية قادمة من أحد الشوارع القريبة ، رأيت فيها العديد من زميلاتي في الجامعة ، وكانت محبوبتي تقف بينهن ، وقد لفت شال فلسطيني حول رأسها كحجاب ، ورغم غضبها وحدة ملامحها وهى تهتف ، لكنها كانت كالبدر في وسط المسيرة ، لمحتني وأنا أنظر إليها فابتسمت ابتسامة حملت فيها كل ملامح البراءة في الحياة ثم تابعت الهتاف ، فأفقت مما كنت فيه ، وتابعت هتافي مع أصحابي . مشينا في تلك المسيرة الضخمة إلى ميدان التحرير ، وقتها أحسست وسط تلك الجموع بأن قوتنا لا يمكن مواجهتها بأي قوة بشرية مهما كانت ضراوتها وقسوتها ، وفور وصولنا الميدان فوجئت ، بأعداد تفوق مسيرتنا عشرات بل مئات المرات ، وارتفع الهتاف حتى شعرت بأنه هز ما يحيط بنا من أبراج وبنايات عملاقة . بعدها بساعتين بدأت العاصفة ، وأول ما ثارت ، ثارت في وجه هؤلاء الجنود البسطاء الذين يحركهم رؤساؤهم الذين يحمون فساد النظام ، وانطلق وابل كثيف من ضربات الهراوات والرصاص الحي وقنابل الغاز ، ثم سالت أنهار من الدماء من الرؤوس والصدور والأبدان ، وتعالت سحب كثيفة من الغازات ، وهجمت علينا السيارات المصفحة ودهست عددًا من المتظاهرين في مشهد شنيع لم أستطع معه أن أمنع عينيّ من البكاء وقلبي من الغضب ، وكأن ما فعله رجال الأمن المركزي لم يؤثر بالمرة في المتظاهرين ، فازدادوا ضراوة في هتافهم .

كنت وسط هذا كله فرحًا ومهمومًا معًا .. فرحت بخروجنا بهذا العدد المهول ، وانتابني شعور بالراحة وكأن ظلمة النظام قد قاربت على الانقشاع ، ولكن مع هذا الشعور المريح ، ألم بي قلق لا حد له ، خفت أن تصاب محبوبتي بأذى ، عيناي لم تكن تفارقها ، وحيثما اتجهت تبعتها كي أكون على مقربة منها ، كانت بين الحين والآخر ترسل إلى نظرات وابتسامات ، بدا لي أنها شعرت بما ألم بي ، فأرادت أن تطمئنني . خلال هذا الوقت ، كانت الجموع الغاضبة تزداد كالطوفان ، وجدت نفسي على مشارف كوبري قصر النيل ، وقد وقف أسداه شامخين في وجه النظام طوال السنين الماضية ، ولم يتأثرا بغمامته السوداء بعد ، وقفت سيارات الظلام أمامنا على الكوبري في صف واحد ، وأمامها صفوف متشابكة من المتظاهرين وجنود الأمن المركزي ، نفس المشهد تكرر أمامي ، شهداء .. جرحي .. دماء تسيل .. صراخ وهتاف يتعالى فوق المشهد .. أجساد تصرخ من الشظايا التي اخترقتها .. أيادي غاشمة تضرب بلا هوادة ..

غازات كثيفة حتى بدا الكوبري للناظرين كشريط ممتد من الغازات والدخان . فاجأني أحد الجنود الذين نزعت عقولهم من جماجمهم حينما أطلق الرصاص على زميلة لي في الجامعة ، كانت تفر من الغازات حينما طالتها تلك الرصاصة ، فسقطت أرضًا ، جريت نحوها ، وكذلك فعلت محبوبتي ، الدماء في رؤوسنا وصلت لمرحلة الغليان مما شاهدنا ، وصلت قبلي إلى موضع زميلتي ورفعت رأسها وضمتها إلى صدرها ، الدماء سالت بغزارة شديدة من جرحها ، حاولت حبيبتي أن توقف النزيف ولكن محاولاتها باءت بالفشل ، والنزيف يزداد شيئـًا فشيئـًا ، لم أكن قد وصات بعد إلى مكانهما ؛ فالمتظاهرون يكرون ويفرون ، فسقطت في طريقي إليهما ، وقبل أن أنهض ، سقط قلبي وعقلي مما رأي ، فمحبوبتي قد طالها رصاص هؤلاء الغاشمين ، لم أشاهد كيف حدث هذا ؟ بل أتاني المشهد مرة واحدة ، فكان كالصاعقة ، زميلتي كانت قد فارقت الحياة بالفعل ، ولكن حبيبتي – برغم جراحها – أمسكت بجسد صديقتها ، الألم والحزن يعتصرها ويعتصرني معها ، الدموع تتساقط من عيونها التي احمرت من هول ما جري لها بين ألم وجزع ، لم تكن تفكر فيما أصابها كانت تبكي على صديقتها بكل حرقة موجودة في هذه الدنيا المظلمة ، وبعد أن بلغت موضعها بصعوبة شديدة ، ارتميت إلى الأرض بجانبها محاولا ً إيقاف الدماء التي تسيل من جرحها العميق ، ولكنها قالت لي وهى تبتسم من بين الجروح والدماء التي انتشرت في وجهها والدموع التي تلألأت وهى تسيل على خديها : لقد رحلت وتركتني في هذه الدنيا لوحدي ، ثم اتسعت ابتسامتها أكثر وقالت : ولكن ما هي فيه الآن أفضل بكثير مما نحن فيه ، فهي تزف الآن إلى دار النعيم مع غيرها الشهداء . كنت أغالب دموعي وسط محاولاتي لإيقاف نزيف جروحها ولكنها أمسكت بيدي ،

وأشارت بإصبعها نحو السماء قائلة : لا تقلق يا حبيبي ولا تخف علي ، فهذه رسالة في السماء .. إنها البشارة التي كنت انتظرها ، استدرت برأسي ونظرت حيثما أشارت ، فلمحت من بين الغازات الكثيفة ، طيور ناصعة البياض تشق عنان السماء في مشهد رائع إلى أبعد الحدود ، ثم اختفى في لحظات بين المباني العالية ، استدرت إليها ، فوجدتها لا تزال تنظر إلى السماء ووجها يحمل نفس الابتسامة ، لامست جبينها وخديها بظهر يدي ، وأنا أصارع دموع عينيّ ، أدركت أنها قد فارقت الحياة ، فأقفلت عينيها التي كان تتلألأ ، وحينها فقط سمحت لدموعي بأن تتدفق ، ولكن قلبي وسط الظلمات التي كانت تحيط به ، كان يعلم يقينـًا بأن الظلام ماض ٍ وشمس الحرية سوف تشرق من جديد وترتفع معها روح محبوبته حيث موضع النور الخالد .

الوسوم