كنت أعتقد حتى وقت قريب أن الصعيد يجب أن يكون مكاناً طاهراً يخلو من أي شوائب تتعلق بالأخلاق والمبادئ الإنسانية؛ ولكن بدا لي فيما بعد أن هذه فكرة خاطئة فكل مكان على وجه البسيطة به الشر وبه الخير فهما قرينان للوجود الإنساني، ومنذ الجريمة الأولى التي ارتكبها الإنسان في حق أخيه والشيطان يتربص به ؛ حتى يكرر كل لحظة جريمة ، وكل ثانية معصية .

فكلما كان الرجل بعيدًا بقلبه عن أخيه كلما سنحت الفرصة لنمو الأحقاد والضغائن والفتن ، وهم البيئة الجيدة لنمو الجريمة بكل أشكالها القميئة، ويدفع الثمن التعساء من أبناء هذه الأرض .

الصعيد كغيره من بلاد الله  ليس مكانًا منزهًا أو جنة الله على الأرض، فيوجد به كما يوجد بغيره الأندال والمتسلقين مثل لبلابه تافهة، ومن يبيعون أنفسهم عند أقرب فرصة ، ومن يمكن أن يبيع شرفه لمن يدفع أكثر ويبيع مبادئه لمن يملك المال والسلطان، وفيه أيضاً الأغنياء بشكل فاحش الذين ينظرون للفقراء نظرة دونية كأنهم عبيد إحساناهم .

في الصعيد كغيره من بلاد الله من ” شبعوا بعد جوعة “على حد التعبير الشعبي، وتراهم يتحدثون عن جدهم البك والباشا ، ويقتنون بمنازلهم الأنتيكات التي شروها من بائعي الروبابيكيا لتمنحهم شرفاً زائفاً واصالة ونبلاً مفتقدًا .

في الصعيد كغيره من بلاد الله من يتنكرون لأهلهم عندما تطأ أقدامهم أرض العاصمة، ويلحقون بأول حافلة تقلهم إلى عالم الشهرة ، يتنكرون لأخلاق ومبادئ أجدادهم.

في الصعيد كغيره من بلاد الله الشرفاء الذين يقبضون على جمرة الكرامة ، ويمسكون جذوة الشرف لآخر نفس في صدورهم ، ويدافعون بكل ما يملكون من أسباب عن السلم الاجتماعي ، نسميهم ” أجاويد ” ويسميهم الله عنده أهل خير ، ويُعد لهم منزلة تليق بهم .

لكننا في الصعيد نعيش ونغض الطرف عن المأساة التي نعيشها ، عن الأمراض الاجتماعية التي تغلغلت دون أي جهود منا للعلاج ، أو الوقاية من تحديات العولمة التي عصفت بالقرية المصرية وأسباب تفردها وأصالتها، لأننا في الصعيد مازلنا  ننام ونصحو على أسطورة الصعيد الجميل .