الشعب الذي يجهل ماضيه، سوف يجهل حاضره ومستقبله، ولن يكون له أثر ولا إرادة ولا شأن بمجريات الأمور، وسوف يعيش حياة يصنعها حكامه ومن يسيطرون عليه وهو لا يدري بما يجري وما يدبر له، لذلك تعني الشعوب الراقية عناية فائقة بتاريخها.

ولذلك أيضا يعمد الحكام المستبدون إلى تزييف التاريخ. وقد قال “ستالين”: “إن الورق سوف يسجل أي شيء يكتب عليه”.

ويقول المؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت” صاحب “قصة الحضارة “: إن الحقيقة الكاملة لا تعرف إلا بعد انقضاء العصر، وإنه يصعب على المؤرخ أن يكتب عن عصر عاشه دون أن يتأثر بانطباعاته ومعقداته الشخصية، كل هذا قد يكون صحيحا، ولكنه لا ينفى حقيقة هامة، وهي أن لرجال الدول، كما لغيرهم، الحق في إحساساتهم وعواطفهم، لهم أن يحبوا من يشاءون وأن يدينوا بـ”الوفاء ” لمن يريدون، هذا في حياتهم الخاصة، وليس فيما يمس كيان أمة ومستقبل شعب بأسره”.

تحدث “سامي شرف” الذي لازم الزعيم جمال عبد الناصر في حياته أكثر من غيره من الضباط الأحرار ورموز ثورة يوليو، تحدث عن نهم “عبد الناصر” للمعرفة، وهو الأمر الذي دفع الزعيم الهندي “نهرو” للقول عام 1956: “حبه في الناصر إنه يتعلم دائما”.

وأكد أن عبد الناصر رغم رحيله المبكر إلا أنه ترك لنا طريقا أثبتت الأيام صحته، وليس لنا من طريق غيره.. كان عبد الناصر يؤمن دائما أنه كلما ازداد عداء القوى الاستعمارية له، تأكد أنه يمضي في الطريق الصحيح. وإنه كان دائما يسعى لتصحيح الأخطاء ويرحب بالنقد، وأصر عندما تم إصدار الميثاق الوطني في مايو 1962، أن تتم مراجعته بعد عشر سنوات، لكن العمر لم يمهله.

ويذكر “سامى شرف “حكاية زات دلاله، في إحدى زيارات عبد الناصر للصعيد، ألقى رجل بسيط “بصرة” في عربة قطار الزعيم، ورغم فزع مرافقيه، أصر عبد الناصر على فتحها، لم يكن بها سوى كسرة من الخبز وبصلة وقطعه من الجبن القديم، اعتبرها عبد الناصر رسالة من عمال التراحيل، تحمل شكوى من حالة الفقر الذي يعيشونه.. فأمر على الفور برفع الحد الأدنى لأجور عمال التراحيل خمس أضعاف ما كانت عليه.

وأن عبد الناصر يرى أن التنمية والوحدة العربية هما وجها الاستقلال.. والأمن القومي العربي يبدا من حلب وفلسطين، لذلك كان يرى أن الوحدة العربية هي ضرورة لأمن مصر.

ورغم هزيمة 1967، اعادت “مصر عبد الناصر” بناء القوات المسلحة في زمن قياسي، وأقامت مجمع الألومنيوم، والحديد والصلب، واستكملت بناء السد العالي، وخاضت حرب الاستنزاف.

ورفض بعد يونيو 1967، أن يخضع لشروط السلام الإسرائيلية قائلا: “لن نسمح بأن يملوا علينا شروط المنتصر، أو ليفرضوا السلام بالقوة”.

أما الدكتور مصطفى الفقي، يقول: “إن جمال عبد الناصر أعلى قامة قومية في تاريخنا العربي على الإطلاق”، وجمال عبد الناصر كانت لديه في الفترة من 1967الى 1970 كل إرهاصات الإصلاح، حيث واجه دولة المخابرات، وسعى لتصفية الحراسات، وشارك الضباط والجنود عمليات الإعداد للمعركة، ودعا للحريات في بيان 30مارس، وقاد عملية نقد ذاتي، خاض حرب الاستنزاف التي مهدت لحرب 1973، ولا زالت كل مقولات جمال عبد الناصر سليمة وصحيحة حتى الآن، وأضاف الفقي قائلا: لو لم تناصب الولايات المتحدة الامريكية عبد الناصر العداء، ولو لم تكن إسرائيل بهذه الدرجة من العدوانية، لتغير شكل المنطقة تماما.