” حسن الظن ” – لماذا أوجدنا الله علي وجه المعمورة سوياً؟ هل لنتعاون ويكون بيننا صلات ود وروابط أم لكي تكون علاقاتنا ترفع راية التعقيد المنفر؟! تخيلوا معي دائرةً من البشر كل ما يربطها ببعضها البعض هو حسن النوايا، فما الناتج؟ وما هي المحصلة؟ بالطبع النوايا الحسنة بين هؤلاء الناس ستولد وحدة متآلفة تظلّهم جميعاً ويتمخض عنها فعلٌ جمعيٌ مؤثر معبر عن صدق نواياهم وممزوج بألفتهم.

سوء الظن آفة تعطل كل نجاح صاعد وخنجر يئد كل إنجاز وليد في مهده، وحسن الظن عبادة غابت عنا أو تناسيناها، لن نقول اندثرت كي لا نبالغ، ولكنها أصبحت شذوذ القاعدة بعد أن كانت هي القاعدة نفسها، على الرغم من أن حسن الظن درس عقائدي راسخ في الإسلام، وأُكِّد عليه في أكثر من مقام، وحينما ذُكِر أتى بصيغ الأمر والنهي ولم يأتِ بصيغة الطلب ـ وأيضا رُبط باكتمال أركان الإيمان بالله، فالمولي عز وجل يقول في كتابه العزيز: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ” (سورة الحجرات – آية 12).

أما عن صنوف سوء الظن، فله صنفان علي أساس منبع الظنون، أولهما ناتج عن حمق اندفاع وعدم تيقن وتثبت، وهذا الصنف لا يحركه هوى أو خلاف، إنما تحركه انفعالات وغضب، والصنف الثاني – وهو الأقسى – مصدره أهواء مريضة تحيل أي أمر في اتجاه سوء النوايا، وفي الغالب ترتكز على خلافات سابقة، وتحاول إثبات الظن حتى في حالة عدم التثبت وتجلي الحقيقة.

لماذا نندفع دون حسابات إلى أن يتملكنا الندم ونجلس نندب حظنا العاثر على ما خسرنا؟ إلى متى سنخوض في أمواج الظنون مبتعدين عن شطآن الحقيقة؟ ألن نُسقِط تلك الغمامة عن نواظرنا؟ ألن نلتفت قليلاً إلى مساحة الحكمة التي أهملناها في عقولنا ونتساءل عن واقع ما يجري دون تسرع أو حماقة؟

ولماذا تُقرأ الأمور دائماً حسب الأهواء؟ لماذا تدّعي التهميش وتشكو أن كثيراً من الأمور تُحَاك من وراء ظهرك؟ هل ستستمر إلى الأبد تحيا في ظلال المؤامرات الزائفة التي تنسجها في بحر أوهامك؟ لماذا تضع غيرك في دائرة الشيطنة وتضع نفسك في دائرة الملائكية؟ ولماذا تفرض نفسك على الآخر كصاحب أفضلية أو وصاية أخلاقية وسلوكية ومعرفية أيضاً؟ لماذا تعتقد أن القافلة لن تسير إلا بك وحدك؟ ولماذا تظن أن ما تقوم به لن ينجح إذا قام به غيرك؟

دعونا نرتقي ونتخلص من النرجسية التي هي أكبر محرك للظنون ونتحكم في انفعالاتنا ونديرها بشكل عقلاني، تثبتوا قبل أن تُقدِموا على أي فعل، لا تدعوا مجالاً لوساوس بغيضة أن تسيطر على ألبابكم وأفئدتكم دون أن تتبينوا ما عليه الأمر حقاً، فإن وجدتم ظنونكم واهية، لا تجتمع مع الحقيقة في طريق واحد، فقد حفظتم أنفسكم من جريرة تلك الظنون، وصنتم ما بينكم وبين الآخر من مساحة ود، وأغلقتم تبعات أي حماقة أو اندفاع دون تبين الحقيقة، وإن وجدتم ظنونكم ماضية في طريق الصواب، فلا تنسوا أن تضعوا أنفسكم مكان الآخر؛ لتعلموا دوافعه الشعورية وتبعاتها السلوكية فيما صدر منه، ولتستوعبوا البيئة النفسية التي أسلمته لذلك، وبالطبع لن أذكركم بالقاعدة القرآنية: “خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ”.

وفيما يتعلق بالصنف الثاني من سوء الظن فعلينا ألا نحيا في عوالم مريضة خيالية من المؤامرة التي تُدبر ضدنا والتهميش الذي نعاني منه والاضطهاد الذي نلقاه في كل درب نسلكه، وإنه لشيءٌ راقٍ أن نترفع عن أي خلاف وأن نتوقف عن النظر للآخر من وراء ستائر مظلمة، وإنه لشيء مشين أن تكون الحقيقة جلية ونترك الخلاف دافعاً داخلياً لإثبات الظن مع عدم وجود دلائل عليه أو براهين تبرزه، قم وأثبت نفسك بعملك لا بتذمرك وشكواك، ولا تتساءل: “لماذا لا يُلتَفَت إليّ؟ ولم أنا مُهمش؟”، وأنت لست بصاحب فعل إيجابي ملموس ولا لديك أي بصمات، الأولى أن تلتفت أنت أولاً إلى نفسك وتترك تلك الأوهام والظنون، فتش في ذاتك، ابحث عن أي قصور وعالجه وأي خللٍ وأصلحه، تقويم النفس أول خطوة مضمونة في سبيل نجاح الفرد والكيان والمجتمع.

إني لا أتحدث هنا عن وقائعٍ بعينها، ولكني أًلقي الضوء على واقعٍ موجود نلمسه في حياتنا اليومية، وأرصد سلوكاً منتشراً يحتاج للتقويم، مجمل القول أن سوء الظن هادمٌ للعلاقات الإنسانية ومدمرٌ للكيانات والمجتمعات، فعلينا أن نجتثه من عقولنا وقلوبنا وذواتنا، وأن نعود إلى تلك العبادة المنسية.. علينا أن نجعل الأصل هو أن نحسن الظن لا أن نُغُلَّبَ سوء الظن.