منارات تنوير – في أوقات كثيرة، حينما أصلي الجمعة، أجدني أبذل مجهودًا كبيرًا في تبين ما يقوله الإمام أو الخطيب أو حتى لمجرد التركيز معه فحسب!! وللأسف لا أجد في كثير من الخطب ما يشد انتباهي، إلا ما رحم ربي؛ وذلك إما لقصور في مهارته كخطيب أو قدراته اللغوية أو لضعف في مادته ومعلوماته التي يقدمها لجمهور المصلين أو لأنه يتحدث في وادٍ غير الذي فيه عالم البشر!!

في مجتمعاتنا الحالية، نحن لا نحتاج لوعظ معتاد أو خطب تقليدية لا تحمل أي رسائل ايجابية، لا نريد أن تصبح القاعدة أن الخطبة شيء روتيني لابد منه ومساحة وقتية تعبر والآذان في صمم عنها، ما نحتاجه حقًا أئمة وخطباء يتقنون فن الخطابة فعليًا، لديهم القدرات والمهارات لجذب جمهور المصلين، يختارون قضايا تمس المجتمع ويناقشونها بشكل دعوي وعلمي، يعالجون أزمات السلوك وأمراض المعاملات، ويطببون نسيج الأمة المهترئ، ولكن بعروض شيقة مبسطة تسمعها الآذان في لهفة وتستقبلها الأذهان دون كلل، ويطرحون حلولاً قريبة للواقع قابلة للتطبيق.

الناس لا تحتاج عظة بقدر ما تحتاج توجيه قابل للتطبيق. أجعلوا من خطب الجمعة وسائل جذب وأدوات تأثير لا مساحات ملل وسرد متكرر!! لا تركزوا على العبادات دون المعاملات!! قد تكون ألسنتكم وكلماتكم أدواتًا للتغيير المنشود لمجتمعاتنا وأمتنا!! نعم قد تكون كذلك دون أدنى مبالغة!! فكم من خطيب مفوه كان لخطبه تأثير السحر على عقول البشر وسلوكهم ودفع بهم لمسلك غير الذي سلكوه طوال حياتهم !!لا أحسب أن عهد العز بن عبد السلام قد ولّى، فقد يغيب النور عن دنيا البشر في آخر النهار، لكن الشمس باقية أبد الدهر وتعاود بث النور في مشرق كل يوم.

تخيلوا معي حينما يخرج المصلي من صلاة الجمعة، ويصبح لديه بعد كل خطبة قناعات ايجابية وأخلاقيات بناءة، ولديه مع هالة التحفيز مفاتيح عملية لتطبيق ما استقبله وتعلمه خلال يومه وفي عمله ومع أسرته، ستجد كل فرد أصبح في مقامه ومكانه داعيةً لدينه ولأخلاقه ولقيمه، وسيصبح المجتمع عبارة عن وحدات إيجابية معدية للغير بإيجابياتها، وتسود المسئولية القيمية في التعاملات والسلوكيات، ولن نجد فينا إلا صدق وإنتاجية وتسامح وإيثار وإخلاص في العمل، ويغيب عنا الغيبة والنميمة والكسل والفساد والفضول، وتعالج أزمات الأمة بأيادي أبنائها وفي مقدمتهم رجال الدين والأئمة والخطباء.

تلك ليست بدعوى هجوم ولا بكلمات تجنى على علمائنا ولا أقصد بكلامي تعميمًا، إنما هي دعوة لربط الخطاب الديني بواقع تغير تغيرًا متسارعًا في عقود قليلة، إنها دعوة للأفضل وللتأثير وللفاعلية، خصصوا مساحاتكم الكلامية للوسطية المؤثرة الصانعة للتغيير، وأجعلوا من منابركم منارات تبث ضياءً وتشع نورًا في الكون.