حكاية فرج الضوي.. 30 عاما من التجول في القرى لإصلاح الفوانيس

حكاية فرج الضوي.. 30 عاما من التجول في القرى لإصلاح الفوانيس أقدم مصلح فوانيس بقوص- تصوير: منى أحمد
كتب -

لا يهل شهر رمضان المبارك إلا ويأتي معه فرحة الفانوس لدى الصغير والكبير، لاعتباره من أهم مظاهر الاحتفال بالشهر الكريم، ورغم استيراد أشكال وأنواع مختلفة من الفوانيس وغزو الأسواق بها، يظل الفانوس اليدوي المصنوع من الصاج والنحاس محتفظاً بمكانته عند الكثير، حيث يتحمل الصدمات وعدم تعرضه للكسر بسهولة، لكنه يحتاج للإصلاح من وقت لآخر.

وما أن تصل ميدان أبوالعباس بمدينة قوص، إلا وتجد عم فرج الضوي، صاحب الوجه البشوش الذي اختلطت ملامح وجه مع حبات العرق، وبجانبه أدواته المختلفة التي يستخدمها في إصلاح الفوانيس، لبث السعادة والفرحة لدى أصحابها، مقابل مبلغ زهيد يكاد يكفي احتياجاته الأساسية.

أقدم مصلح فوانيس بقوص- تصوير: مني أحمد
أقدم مصلح فوانيس بقوص- تصوير: مني أحمد

إصلاح الفوانيس

يعمل عم فرج الضوي، 60 عاما، في إصلاح الفوانيس منذ أن كان عمره 20 عاما بصحبة والده، الذي ورث منه الحرفة والتي أكسبته شهرة كبيرة بين أهالي المدينة الجنوبية التي تتميز بالأصالة، مبديا حزنه على رفض أبنائه العمل بتلك الحرفة لصعوبتها وخطورتها، متمنيا أن تورث حرفته للأجيال القادمة، حفاظا على حرفة تراثية أسعدت الكثير.

يبدأ الضوي عمله في التاسعة من صباح كل يوم خلال شهر رمضان، ويبقى في انتظار الزبائن طوال ساعات النهار، في شهر رمضان الذي يعتبر موسما لإصلاح الفوانيس.

ويعمل صاحب الستين عاما في إصلاح الفوانيس المصنوعة من الصاج، أو النحاس ذات الأحجام المختلفة، والتي لا يمكن مقارنتها بالفوانيس الصيني المصنوعة من البلاستيك، حيث انتشرت في الأونة الأخيرة وغزت الأسواق، واصفا شراء الأخيرة بأنها إهدار لمال المواطنين لعدم تحملها الصدمات وتعرضها للكسر بسهولة، كما أن الفوانيس الصاج والنحاس ترجع صناعتها إلى العصور القديمة، والتي تتسم برونق خاص وعلامات مميزة.

يضيف عم فرج أن مهنة إصلاح الفوانيس تأثرت بسبب ارتفاع أسعار خامات التصليح، وتراجع صناعتها بعد غزو الاسواق بالفوانيس البلاستيك والصيني، مشيرا إلى أن تلك الحرفة تحتاج العديد من المهارات والمميزات والدقة في الشخص الذي يقوم بها، حيث تعتمد على مواد خطرة والتي تستخدم في اللحام، مثل الكاوية ومياه النار والقصدير والنار.

بداية عمله

“كنت أمارس مهنتي طوال 30 عاما متجولا في القرى، من بلدة لبلدة ومن نجع لنجع، لإصلاح وابور الجاز والشيش وإصلاح الفوانيس في رمضان، وكله تبع التساهيل والأرزاق”.. هكذا يتحدث الضوي عن بدايته في المهنة، لكن مع كبر السن والمرض اضطرر صاحي الـ60 عاما إلى العمل بناصية أحد الشوارع بميدان أبوالعباس، وبجواره عدته التي يستخدمها في التصليح.

ويشرح أنه يعتمد في إصلاح الفوانيس على أدوات بسيطة عبارة عن مكونات اللحام وهي: “مياه النار والقصدير والنشا وكاوية اللحام والمنشار والزردية ووابور الجاز”، والتي تتطلب قدرة كبيرة من الدقة والتركيز، أثناء مراحل اللحام سواء في الفوانيس أو الشيش، التي يقوم بإصلاحها بجانب الفوانيس.

إصلاح ولحام الفوانيس يمر بعدة خطوات – حسب عم فرج – وهي: وضع كاوية اللحام في النار حتى التسخين لدرجة حرارة مرتفعة، ثم وضعها في النشا لنظافة الكاوية، لتوضع في ماء النار ثم القصدير وبعدها اللحام.

أقدم مصلح فوانيس بقوص- تصوير: منى أحمد
أقدم مصلح فوانيس بقوص- تصوير: منى أحمد

الرزق الحلال

“البركة في الرزق الحلال”.. هكذا يعبر الضوي عن عمله، رغم قلة الدخل والظروف المعيشية الصعبة ومسؤوليته عن 6أبناء، حيث أن عمله هو مصدر رزقه الوحيد ، فالعمل الحلال لا يعيب من يعمل به بل يزيده بركة.

يشكو الرجل البسيط غلاء الأسعار، ليس في أدوات ومواد عمله فقط بل في كل شىء، فالغلاء أصبح السمة الشائعة لدى الجميع، فالزبون مثله يعاني غلاء الأسعار، ولكي يحارب الغلاء لا يحدد ثمنا للإصلاح، قائلا: “قد مع الزبون معاه يدفع”، حيث يتخذ هذه المقولة لمحاربة الغلاء.

حلم بسيط

“محل بسيط أكمل فيه اللي باقي من عمري”.. هكذا يحلم عم فرج بمحل بسيط يمارس فيه حرفته، ويجمع به أدواته بعيدا عن ناصية الشارع، بعد أن قضى 40 عاما ما بين متجول بالقرى وعامل على ناصية الشوارع بقوص.

الوسوم