بعد أيام على رحيله.. “ولاد البلد” تكشف أسرار من حياة الشيخ محمد عبد الفضيل القوصي

بعد أيام على رحيله.. “ولاد البلد” تكشف أسرار من حياة الشيخ محمد عبد الفضيل القوصي محمد عبد الفضيل عبد العزيز الحلاوي القوصي

في الثالث من يونيو الحالي، فقدت مصر والعالم الإسلامي، العالم الجليل والمفكر الإسلامي محمد عبد الفضيل القوصي منذ أيام، ابن قرية الحلة ومدينة قوص، جنوبي محافظة قنا، وزير الأوقاف الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء، ونائب رئيس مجلس إدارة المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، وعضو المجلس الأعلى للأزهر، صاحب المؤلفات العلمية العميقة الرصينة ورائد المدرسة الأشعرية الحديثة، تحدث عن علمه جميع العلماء المسلمين.

ولم يكن نبوغ محمد عبد الفضيل عبد العزيز الحلاوي القوصي، وزير الأوقاف الأسبق، من فراغ، إذ كان عمه لوالده محمد إسماعيل شيخ عمود في الأزهر الشريف، وله مؤلفات عديدة، وعمه محمد محمد إسماعيل شيخ عمود في الأزهر سابقًا.

“ولاد البلد” التقت محمد عبد الحي عبد العزيز الحلاوي، مدرس الفيزياء بمدرسة قوص الثانوية بنين، شقيقه الذي حزن عليه كثيرًا وكان يعتبره بمثابة والده لأنه رباه وعلمه.

نشأة القوصي

يقول عبد الحي مدرس الفيزياء بقوص، إن الشيخ محمد عبدالفضيل ولد عام 1944، ونشأ وتربى معهم في البيت الكبير بمنطقة عبد القوي في مدينة قوص، ولكن جدوده في قرية الحلة، مشيرا إلى أن والدهم كان رجلًا مثقفًا يحب العلم، وحرص على تعليمهم جميعًا.

يشير الحلاوي إلى أن الشيخ محمد عبد الفضيل كان يحرص على أن يصبح مثل جدوده العلماء بالأزهر، وأصر والده على تخصص الشيخ في قسم أصول الدين ليكمل مسيرة العائلة.

كان محمد عبد الفضيل مثقفًا منذ صغره، حيث كان يقرأ الأهرام في مرحلة الإعدادية واستمر حتى قبل وفاته، وتربينا جميعنا على قراءة المقالات في الأهرام منذ صغرنا.

التحق القوصي بالمعهد الأزهري الثانوي الديني بمدينة قنا، فيما تحدث عبد الحي عن ذكرياته مع الشيخ في فترة الثانوية، قائلا إنه كان حريصًا على أن يأتي كل يوم خميس من المعهد في قنا إلى قوص، ليقضي  الإجازة مع الأسرة.

ويضيف الحلاوي: “كان لا يدخل المنزل إلا ويشتري لي كرة لألعب بها أو تي شيرت لأرتديه أو طعام نأكله، حيث قضى فترة الثانوية في المعهد على هذا الحال، وكان مميز في دراسته ويحفظ القرآن الكريم كاملًا”.

علاقته بوالديه وإخوته

“كان العالم الجليل بارا بوالديه، ونال حظًا وافرًا من دعوات أمه وأبيه، وحنين جدًا مع أخوته، كان توأم روحي وما زلت متأثرًا بوفاته”.. هكذا حكي مدرس الفيزياء عن علاقة الشيخ بوالديه، مشيرا إلى أنه تأثر به في الناحية الدينية والثقافية.

يوضح الحلاوي: “كنت أقرأ منذ صغري معه الأهرام، وأكتب مقالات فيها الآن، كنت أحفظ منه القصائد الشعرية التي كان يحفظها، وأخذت منه اللغة العربية، كنت أتحدث معه باللغة العربية الفصحى باستمرار، كنا نتحدث سويًا لا نخطئ في رفع أو نصب كلمة، كنا نحب قصائد أم كلثوم ونسمعها سويًا وكان يحب كثيرًا سماع أغاني محمد عبد الوهاب”.

ويتابع: “كان ينصحني دائمًا ويعاقبني أثناء فعلي خطأ ما، وأذكر ذات مرة جلست على قهوة خارج المنزل فنهرني وقال لي هذه الأماكن ليس لأمثالنا وحتى الآن لم أجلس على قهوة قط”.

وبعد الانتهاء من فترة الثانوية التحق الشيخ القوصي بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر بالقاهرة، وتخصص في قسم العقيدة والفلسفة، حيث كان يعود كل إجازة من الدراسة إلى المنزل بقوص، وأثناء عودته لأول مرة بعد التحاقه بالصف الأول في الكلية اشتري لوالده راديو صغير، حيث كان أبيه واسع الثقافة، لا ينام حتى يضع الراديو تحت أذنه ويسمع إذاعة لندن التي كان يتوسطها ضجيجًا كثيرًا في خمسينات القرن الماضي.

قضى وزير الأوقاف الأسبق فترة الكلية في القاهرة، ثم عاد إلى قوص وبقي بها عامين، عمل فيها مدرسًا في مدرسة مصنع السكر الإعدادية بمدينة قوص، ثم عين معيدًا في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ثم حصل على الماجستير بالقاهرة.

سافر القوصي بعد ذلك إلى لندن عام 1972 للإعداد والتجهيز لرسالة الدكتوراه، فيما يحكي عبد الحي أنه لم يستمر سوى عام واحد في لندن، وأرسلنا إليه تلغراف من أحد الفنادق بالأقصر مكتوب باللغة الإنجليزية كتب فيه “والدك في خطر”، حيث كان وقتها والده توفي حينها، ففهم الرسالة وعاد إلى قوص ولم يدرك جنازة والده، ولم يسافر إلى لندن لإكمال الرسالة ولكنه ظل في مصر، وحصل على الدكتوراه من القاهرة.

تدرجه في المناصب

تدرج المفكر الإسلامي في المناصب حتى وصل لمنصب وكيل الكلية، ثم نائب رئيس جامعة الأزهر لشؤون التعليم والطلاب، وتم اختياره لعضوية مجمع البحوث الإسلامية ومقرِّر للجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة في تخصص العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر.

تولى بعد ذلك منصب نائب رئيس مجلس إدارة الرابطة العالمية لخريجي الأزهر الشريف، ورئيسا لبعثة الحج الرسمية بتكليف من رئيس الجمهورية في 2012، وأشرف وناقش العديد من الرسائل العلمية في مجال العقيدة والفلسفة، وحكّم عدد من البحوث في ذات المجال، على مستوى الجامعات الإسلامية.

يقول عبد الحي إن “القوصي” كان يتميز بالفكر الوسطي في الدين، وكان مناهضًا لكل أفكار التطرف، وأخذ على عاتقه تجديد الخطاب الديني مع الحفاظ على أصل التراث في الإسلام، وكتب مقالات عديدة عن محاربة التطرف وغيرها من القضايا الإسلامية المهمة في جريدة الأهرام وعدد من المجلات العربية والأجنبية.

ذكرياته في الوزارة 

يشير عبد الحي إلى أن أخوه الشيخ محمد عبدالفضيل تولى وزارة الأوقاف في فترة حكم الإخوان، مبينًا : “فرحت كثيرًا وفتحت المندرة في شارع عبد القوي الذي كنا نسكن فيه قديمًا، وكان الجيران والأهل والأصدقاء يهنئوني بذلك”.

ويوضح: “كان عندما يتصل بي في تلك الفترة يقول لي إن فترة رئاستي لوزارة الأوقاف كانت قليلة ومقيدة كان نفسي أنجز في قوص عمل جيد”، مشيرا إلى أنه لم يستمر طويلًا فيها.

الحجاج المصريين

كما تحدث عبد الحي عن ذكريات العالم الجليل مع الحجاج المصريين، عندما كلفه رئيس الجمهورية برئاسة بعثة الحجاج المصرية رسميًا حيث كان حينها وزيرًا للأوقاف، كان يرتدي جلابية بيضاء ويجلس ويتجول وسط خيام الحجاج المصريين، ويجلس معهم على الرصيف في الحرم المكي.

كان وزير الأوقاف الأسبق الراحل القوصي يحكي لأخيه عبد الحي عن سفره لكل دولة، فكان يتصل به قبل كل سفرية يبلغه بالسفر، مؤكدا أنه كان متسامحًا جدًا عندما يأتي إلى قوص في فترة الوزارة، فكان يسلم على جميع الجيران والأهل، لم يتكلف ولم يعش في جو الوزير، وكان يزور كل من يمرض أو يتوفى من قوص في القاهرة.

يواصل الحلاوي الحديثعن ذكريات شقيقه، قائلا: “في عام 2012 سافر إلى إحدى الولايات في الهند فأخبرني أن رئيس الولاية استقبله استقبالا حافلًا كاستقبال رئيس الجمهورية، وهكذا كانوا يستقبلونه في رحلة علمية لدول جنوب شرق آسيًا”.

زواجه من قوص

ويسترجع عبد الحي الذكريات، فيقول إنه عندما أراد الزواج تزوج من قوص، حتى لا يقطع الصلة بينه وأولاده وبين العائلة في قوص، مضيفا: “كان يزورنا كثيرًا في قوص ولكن آخر مرة زارني وأخوتي فيها منذ أربع سنوات قبل مرضه، وبعدما اشتد به المرض كنت أزوره في القاهرة باستمرار لأطمئن عليه”.

أنجب القوصي 4 أولاد، هم إيهاب صيدلي، ودينا طبيبة بشرية وأحمد وزاهد مهندسين، مشيرًا إلى أنه كان ديمقراطيا داخل منزله ودودًا رحيمًا، يترك لهم حرية الاختيار والفكر.

ويتذكر عبد الحي أنه عندما كان شقيقه رئيس الرابطة العالمية لخريجي الأزهر، كتب مقالًا ونشر في الأهرام ففرح “القوصي” كثيرًا به، وعرضه على زملائه في الرابطة والأزهر، وكان يقول لهم ” هذا مقال أخي”ز

ويختتم حديثه عبد الحي الذي لم تجف دموعه، وجرحه لم يندمل حتى الآن، بعد وفاة أخيه العالم الجليل بهذا البيت، قائلا: “نحن روحان قد حللنا بدنا”.

الوسوم