المسحراتي: من ابن نقطة لفؤاد حداد حتى زينب التي تركت التسحير بقوص بسبب مرضها

كتبت – أسماء الشرقاوي

أنا اللي مدحت النبي

يا أهل الديار دستور

أرضًا خطرها النبي

صبحت تشلع نور

نور على نور

يا نبي

الله يزيدك نور

لما تطلع البهية من أفراجها وتدور

إن جات تسلم على اللي فج منه النور

يا قلب صلي على اللي رضعته ومناه

عاش قد ما عاش عمره ما حلف بها متاه

جات آمنة وضعته وجاء جبرائيل سماه

كشفوه على لحيته لقيوه رسول الله

عيني على ساقية شرق الحرم بتدور

واقف فقيها المصطفي يسقي بنات الحور

لو جسمها من ذهب وحبالها من نور

“تلك الأبيات الشعرية قديمة ولكن ورثتها عن أبيها وجدها”

 

 

“أنا المسحر رمضان.. ثلاثين ليلة أجرى بالمشوار.. النها رده نأخذ العادة منكم.. وقول بعودة الأيام”.. هذه مقطوعة من أقوال المسحراتية زينب محمد محمود، التي تبلغ من العمر 65 عامًا الآن، أطلق عليها المسحراتية، وكانت المرأة الوحيدة في قوص التي تقوم بإيقاظ المواطنين والأهالي لتناول وجبة السحور في رمضان، ولكنها تركت مهنة التسحير منذ عامين لشدة مرضها.

فرغم إنها سيدة عجوز، إلا أن لديها القدرة علي هذا العمل الشاق، حيث كانت تقوم كل ليلة بلف البلد على أقدامها لكى يتسحّر الصائمين، ومع ذلك ليس لديها عائد اقتصادي منه، بل تعتبره زكاة تخرجها في الشهر الكريم وفقًا لظروف معيشتها، تروى الحاجة زينب قصتها كمسحراتية لـ”قوص النها رده”.

 

تقول المسحراتية: ورثت هذا المظهر الرمضاني من والدى، حيث أعمل به منذ 30 عام، فعندما كنت طفلة، ذهبت مع والدى كل ليلة رمضان لتسحير الناس، وفى يدى فانوس يظهر عليه عبق وتاريخ زمان، وليس كما فوانيس هذه الأيام، وبعد وفاته أكملت مسيرته، وهى فى الأصل مسيرة أجدادى، فالأداة التي استخدمها وهى أشبه بالطبلة متوارثة من آلاف السنين، وأقوم باستبدال الجلد الملفوف حولها إن انقطع بجلد الإبل.

وتُكمل زينب: ما يشجعني على السحور أن الأهالي يرحبون بي في الشارع، فأشعر بأنى رئيسة البلدة، حتى الحكومة ترحب بي، وناس كثيرة كانت تعتمد على في إيقاظها في السحور، وإذا لم أفعل يأتوني بعدها بيوم بعبارة (لماذا لم توقظينا؟)، فرغم تغيير طبيعة كل أشياء زمان لكن يوجد البعض مازالوا عائشين زمان مثلى، ولم أترك هذه العادة الرمضانية رغم أن أغلب الناس مستيقظين لآذان الفجر، ومع ذلك أقوم بالتسحير.

 

فإذا وجدت طوبة في الطريق أرفعها حتى لا تؤذى أحدًا والأجر عند الله، حيث استمر فى عملي 3 ساعات ونصف، أدور قوص بأكملها بحثّا عن الثواب.

 

تحكي زينب أنها تطوعت في المهنة منذ 40 عامًا بدأت مع أبيها ثم استكملت المسيرة بعد وفاته، وتحكي أنها تخرج من منزلها الساعة الثانية عسرة صباحًا وتبدأ تجوب الشوارع لتيقظ الأهالي حتى الساعة الثانية ونصف صباحًا.

وتشير إلي أن لم يستطع أحد يمنعها عن التسحير أو الخروج لممارسة ما تحب، وتري أن بعض أفراد الشرطة كانت تقف معها في بعض الأماكن وتساعدها ” حتى الحكومة واقفة معايا” على حد قولها، وكانت زينب تجوب الشوارع من القنابره حتى مركز الشرطة بقوص .

وتعرب أنها لا تخشي الكلاب الضالة أو الظلام أو أي شيء ، منوهتًا أن ابنتها الصغيرة كانت تنزل معها في الشوارع ولكنها تزوجت الآن.

وتوضح زينب أنها تركت السحور منذ عامين بسبب مرضها الشديد الذي أعاق خروجها من المنزل، ولكنها العام الماضي تحدثت مرارًا مع سائقي التو كتوك براتب شهري 300 جنيه مقابل يجوب بها لتسحير الأهالي ورفضوا الذهاب معها مما أعاقها عن ممارسة مهنة التسحير التي تحبها كثيرًا رغم أنها ورثتها عن أبيها.

وتري المسحراتية أن عملها ثواب وذكاء على جسدها لله تعالى ، وعلاقتها جيدة مع جيرانها ويحبونها كثيرًا، وتتمنى الآن أن تعيد العمل بمهنة التسحير مرة أخري، منوهتًا أن  أولادها لا يحبون تلك المهنة يرفضون ما ورثته عن أبي وجدي.

المسحراتي من ابن نقطة إلي فؤاد حداد

دق المصحر بالطبلة صحي القلوب

لبست ثياب الرضا تقابل المحبوب

قوموا افتحوا له الحب باسب

دا أغلى وأعز الأحباب

 

القوما فن التسحير

القوما فن شعري عامي، أخترعه البغداديون فى الدولة العباسية  لإيقاظ الناس للسحور وسمي بهذا الاسم لأن المقطع الشعري فيه، كان يبدأ وينتهي  بجملة ” قوما نتسحر قوما” أى قوموا من النوم لتتسحروا

القوما قد يكون من أربعة سطور أو ثلاثة سطور فى وزنين، ولكنه أتخذ أشكالًا مختلفة أخري شعبية وارتجالاً.

والقوما يعتمد على الدعاء والانشاد والصلاة على النبي والنصح والموعظة، وفى مصر كان المسحراتي يحكي الحكايات أيضًا، وهذا الإنشاد يتم بمرافقة الطبلة التى يدق عليها، بين مقطع وآخر، وفى المدن يستخدم المسحراتي طبلة كبيرة بينما فى القري يستخدم المسحراتي طبلة كبيرة نتيجة المساحات الشاسعة بين البيوت.

يعتبر ابن نقطة أقدم ما وصل إلينا ذكره من المسحراتية، وأبدع فيه بأمر من الخليفة الناصر لدين الله العباسي في القرن السابع الهجري، وكان الخليفة يطرب على هذا الفن ويغدق عليه من العطايا والهبات.

ولد ذكي

وكان لابن نقطة ولد صغير ذكي ماهر في نظم القوما فلما مات أبوه أراد أن يخبر الخليفة ليواصل عطاياه للأسرة، فصبر حتى أقترب دخول شهر رمضان، ثم اتخذ اتباع والده من المسحراتية ووقف معهم في أول ليلة من ليالي شهر رمضان تحت شرفة قصر الخليفة، وغني بصوت رقيق هذه الأبيات

يا سيد السادات  .. لك بالكرم عادات

وأنا ابن نقطة    .. تعيس أبويا مات

فأعجب الخليفة بذلك  الإيجاد في الطلب، فاستحضر الولد وفرض عليه ضعف ما كان لأبيه.

استهوي التسحير كبار الشعراء والعظماء ويقال أن عتبة ابن اسحاق والى مصر في الدولة العباسية هو من سحر الناس في بر مصر في  رمضان.

كما عمل الشاعر عمر البطش مسحراتي في حلب لفترة من الزمن، واستمر التسحير بشعر القوما في فترات العصور الأيوبية والمملوكية والعباسية والعثمانية وحتى يومنا هذا ولكن بشكل أقل، كما كتب الشاعر صفى الدين وله مختارات فى التسحير منها:

من كان هواه مستور     يحظى برفع الستور “أي لقاء الحبيب”

ومن هتك سر حبِ       يمحي من الدستور

ومما نظمه آخرون ليسحر به أحد الخلفاء في رمضان

لازال برك مزيد       دائم وبأسك شديد

ولاعد منا نوالك       في صوم وفطر وعيد

في الدهر أنت الغريد      وفى صفاتك وحيد

والخلق شعر منقح         وأنت بيت القصيد

 

حداد ينادى في الأحياء

ظل المسحراتي في مصر معلمًا بارزًا في شهر رمضان الكريم عبر العصور، كان يعتمد على جملة ” اصحي يا نايم وحد الدايم” وكان المسحراتية يحكون الحكايات ويبدعون في أغانيهم، ويداعبون أهالي حيهم الذين يعيشون فيه، ينادونهم بأسمائهم ليتسحروا، ويرددون الدعاء والصلاة على النبي.

ولكن هذا الدور على المستوي الدولي أو المحلي في قوص أخد يتقلص مع ظهور الفضائيات وأخد يتقلص كثير كثيرًا بسبب تطور التكنولوجيا الحديثة وظهور السوشال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي التي فرضت السهر في ليل رمضان، لتنعدم الحاجة إلي المسحراتي، وأخذ المسحراتي في قوص يختفى رويدًا رويدًا مع ظهور التطور ولكن تبقي ذكرياتهم عالقة في بعض الأذهان .

ويطل علينا بذكرياته فؤاد حداد بألحان سيد مكاوي رحمة الله عليهما عبر تسجيلات الإذاعة فالفوح لا ينتهي وإن جفت القارورة  وإن غاب علينا حداد يبقي نشيده:

مسحراتي ينادي في الأحياء

منقراتي من الألف للياء

صرف القسيمة على بسيمة وعلاء

والمكوجي بيكوي هدوم العيد

وكذلك بعض الابيات

 

اصـحى يانايم وحّد الدايم

السعي للصوم خيرٌ

من النوم دي ليالي

سمحه نجومها سبحه

اصـحى يانايم

يانايم اصحى

وحّد الرزاق

المرجع ” المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي

وحوار حي مع السيدة المسحراتية

 

 

الوسوم