السمان .. أمير الفن التشكيلي

كتب -

كتب _ فتحي حمد الله
ليست لدي متعة أحب إلىّ من مشاهدة فنان وهو يصنع لوحته . ومازلت أذكر ” عم عبداللاه النقاش ” وهو يعتلي السقالة ويرسم لوحته الشعبية فوق جدران منزلنا بينما عمي يؤدي شعائر الحج ببلاد الحجاز ، حواديت عم عباللاه رسمها فوق واجهة المنزل ، عمي الحجا يرتدي ملابس الإحرام ، والباخرة التي استقلّلها في طريقه للأراضي المقدسة ، والكعبة المشرفة ، والطائزة التي تضرب العداء ، وصورة العدو مقطوع الساق ، وبقيت فترة طويلة أحتفظ بالهيكل الصفيح للعدو في” شونة التبن ” و الذي أخفيته عن الرسام الشعبي .
وتمر الأيام وأجد المتعة ذاتها وانا ارقب ” أمير السمان وهو يرسم لوحاته بمهارة فائقة وإبداع منقطع النظير يمسك الفرشاة ويضع لمساته الفاتنة فوق جدران الغرف ، ويقدم السعادة للذين يقبلون على حياة جديدة ، يرتبط وجوده دائمًأ بالفرح والسعادة .
يرسم القصص الفنية فوق جدران المدارس ودور الأطفال التي تطمح إلى تحقيق الجودة في التعليم ، فيرسم طفلاً يجري مرحًا ، وزهرة تفوح عطرًا ، وشجرة كبيرة مورقة تأوي سرًا من العصافير الملونة .
كلهم يرسمون لكنهم ليسوا كأمير يشعر بما يرسم ، ويذوب عشقًا في خطوطه وضربات الفرشاة ، لم ينظر يومًا إلى عمله كحافظة نقود تدر عليه دخلاً ، بل كان يعمل من أجل أن يسعَد ويٌسعد الآخرين .
بدأ أمير رحلته مع الفن وهو طفل صغير يلعب بالطين ويصنع منه جملاً صغيرًا ثم يحرقه ويحطمه بعد ذلك ، وحين رسم الوجوه بدت له الملامح على صفحات الورق متفوقًا على أقرانه وزملائه ، عرف أنه مختلف عن الآخرين وشعر بقوة سحرية تسرى في أطراف أنامله تدفعه إلى الرسم ، الرحلة بدأت مبكرًا ، رحلة عملية وفنية ، يسافر إلى الخليج ثم يعود إلى أرض بلاده محملاً بعشقه للفن ، وشيء من الإنكسار الذي تسببه الغربة ، ويأخذ على نفسه عهدًا ألا يفارق قريته ” الخطارة ” ثانيةً ، يرسم ليسعد الآخرين ، ويزداد نهمه للإبداع والإنتاج المتميز ، ليرسم كل الوجوه التي أحبها ، محمد منير ، أبوتريكة ، أحمد زكي ، عبدالله غيث في شخصية علوان البكري ، وأصدقائه وجيرانه ، ويرسم لوحته الرائعة ” يامنة ” مع الخال الأبنودي .

يرسم لوحاته ويتشبث بها مثل أم رؤوم تعطف على أبنائها ، لا بييع لوحاته إلا نادرًا ، ربما لأنه لم يجد أحدًا بعد يقدر هذا الجمال بالقدر الذي يستحقه .
وردًا على سؤالي ” لماذا أنت منغلق على نفسك وكاطف في مرسمك هكذا ؟ ” أجابني منشرحًا : بالعكس أنا منفتح جدًا على العالم ، وعرضت لوحاتي في برنامج “إتيليه ” بقناة النيل الثقافية بالتليفزيون المصري أكثر من مرة ، وشاركت في معارض بساقية الصاوي أيضًا . ويضيف في حزن : لكن للأسف مثل هذه الخطوات لم تفدني بشيء ، لأننا باختصار في زمن صعب ، ونشارك في سباق محموم من أجل الحياة ، لو فكرت لحظة واحدة لوجدت نفسك في خبر كان .
أنظر إلى ملامحه الوديعة الطيبة ، وبنيانه القوي ، وأتخيله بملابس فرعونية فاخرة ، يمسك أزميلاً من الصلب ، وينقش فوق جدران معبد فرعوني قديم صورة للملك الفرعوني العظيم وهو يدك أعدائه بعجلته الحربية ، ثم ينقش صورة جميلة لزهرة اللوتس تبتسم
بين أنامل أميرة فرعونية صغيرة

الوسوم