سؤال ملح طالما تردد بذهني كثيرا، فالمتابع للثورة التكنولوجية المتقافزة، يلحظ أن هناك منافسا جديدا عنيدا بدأ يطل برأسه، بل ويزاحم الكتاب المطبوع في تحد وعناد!! هذا الوافد الجديد هو الكتاب الإلكتروني بكل ما يميزه من بريق أخاذ؛ ففي ظل ارتفاع أسعار الورق، نجد أن الكتاب الإلكتروني، يشير إلينا في غواية ودلال أن هلموا.. ولم لا؟ فقد أصبح متاحا لشريحة عريضة ممن يعرفون أبجديات التعامل مع الحاسوب؛ كما إننا بضغطة زر واحدة نبحر عبر خضم هائل من المعلومات المتدفقة، هذا بالإضافة إلى إمكانية البحث بالمفردات والموضوعات.

ولكن إذا أمعنا النظر قليلا، فسنجد أن الكتاب الإلكتروني ينطوي على قصور خطير، فأي مبرمج حاذق، أو قرصان ماهر يستطيع أن يعبث بمحتواه، كأن يضيف إليه أو يحذف منه شيئا، بل وربما يتجرأ وينسبه لنفسه!! ففي عالم البرمجيات كل شىء مباح لدى المغامرين؛ لأن توثيق الأعمال الالكترونية من الصعوبة بمكان في هذا العالم المثير!

ومن زاوية أخرى، فإن قول أبى الطيب المتنبي: “وخير جليس في الأنام كتاب”،

لم يأت من فراغ؛ فالكتاب هو بحق أوفى صديق، فالكثير منا يسعد حين يطالع كتابا يحمل بين دفتيه كنوزا من المعارف، تجعل الإنسان يسبح في فضاء لا نهائي من المتعة والسعادة، أضف إلى ذلك أن متعة شراء الكتب لا تضاهيها متعة، أو حين يقلب المرء في مكتبته الخاصة فإنه يحس بألفة مع كتبه، فيتذكر مثلا تاريخ شراء بعضها أو مناسبة شرائه كمعرض أو احتفالية أدبية، بل وربما يستهويه الخيال فيتجسد أمامه الكاتب جالسا يخط بقلمه، فها هو أمير الشعراء تحيطه السكينة حينما جلس يبدع الهمزية النبوية، وهذا عميد الأدب العربي يملى كتابه “الأيام”، وذاك المعري يبدع رسالة الغفران.

كما أن الكتاب المطبوع أصبح جزءا أصيلا من حياتنا، نألفه ونتفاعل معه.. ملمسه، رائحة أوراقه، لهفتنا عليه، هذا بعكس التعامل مع الكتاب الإلكتروني الجامد، فليس كلنا متاحا أمامه فرصة التصفح الدائم، وهل سيمسك المرء حاسوبا بيده إذا جلس للاستجمام على شاطىء النهر، أو إذا آوى إلى فراشه؟!

إذا هذه قناعة شخصية بأن الكتاب المطبوع ما يزال متربعا على عرش المعرفة وعروش قلوبنا دون منازع، بل مازالت المطابع تخرج لنا من يانع ثمارها كل وقت؛ مع عدم إغفال الاستفادة من التقنيات الحديثة لخدمة الأدب والثقافة.