قصة قصيرة.. أوجاع العودة

قصة قصيرة.. أوجاع العودة د. محمود القوصي ـ طبيب وأديب - المصدر: الكاتب

كتب – محمود القوصي “أديب وطبيب”

ثلاث صفحات من ذاكرة المقاومة

( 1 )

أصوات أجهزة ترن في أذني أميزها بصعوبة، دقاتٌ مختلفةٌ ومتتابعة وروائح مطهرات تتسلل إلى أنفاسي الثقيلة ؛ كي تستفز وعيي المكهل ليعود إلىَ جسدي الملقى ها هنا لأيام، أحس بالحياة تسري في أنحاء جسدي، وافتح عينيّ في وهن، أُدرِكُ للوهلة الأولى أنني محجوز في مستوصف متواضع.

وعيي العائد بث في جسدي كل آلام الدنيا، أطرافي تعتصرها أوجاع لا تطاق، شدة ما ألم بي جعلني أعي تدهور حالي، وأعلم أنه ما من قطعة في بدني إلا وأصابها جرح بالغ من ذلك الحدث الغاشم.

لم يشعر أحد بانه عاد لتوه من الحياة، لم يلتفت إليه أي فرد من الطاقم الطبي للمستوصف، كان الجميع منهمك في إسعاف جرحى قد اُحضِروا من مكان آخر أصابه نفس المَصَاب.

عقله جذبه بعيداً عن الآلام الجسدية والضجيج المحيط ؛ ليلقي به في أمواج ذكرى لن تنمحي، فألم الذكرى أشد قسوة على النفس من ألم الجسد، حاول أن يهرب من الصور والمشاهد التي تتراءى له، قاومها وحاول ألا ينجرف في كواليس الذكرى، أضحت المقاومة عسيرة حتى في الخيال، استسلم لذكرياته، وتركها تنفذ إلى وعيه أو تركها تختطفه إليها.

( 2 )

تحلقت الأسرة كلها حول نفسها أمام شاشة التلفاز؛ لمشاهدة مسلسل مصري اجتماعي يتابعونه سوياً كل مساء، الفتاة الصغيرة تحتضن عروسة قماشية وتستقر في حضن والدتها الذي هو أكبر وأجمل من أي حضن وعلى وجهها أمارات رضا وسعادة مفرطة.

الأحاديث العائلية الدافئة تخللت مشاهد المسلسل  في فواصله الإعلانية، الأب تارة والابن تارة أخرى والأم تستحوذ على معظم الكلام، علاوة على انفعالات الأم مع التحولات الدرامية وتعليقاتها حول مواقف الشخصيات أثناء مساحات عرض المسلسل، حتى مداخلات الأم كانت تبعث نفس الدفء في قلوب تلك الأسرة البسيطة وتثير فيهم ابتسامات وسكينة، وربما جرتهم حكاياتها الشيقة مع جيرانهم أو أقربائهم بعيداً عما يشاهدونه فيتناسوا المسلسل مستمتعين بما يسمعون!!

وسط الأحاديث والضحكات والحكايات التي امتلأت بها الأجواء، حدثت الفاجعة، ينهار سقف البيت من أثر دوي مروع، في ثوانٍ تنقلب الأجواء لنيران ودخان كثيف يشوبه سحابة غبار تحجب الرؤية، وفي ثوانٍ أيضاً بيت نابض بالحياة أصبح حطاماً مروعاً وأطلالاً بائسة يزينها أجساد بريئة مخضبة بالدماء.

هكذا استقبل المشهد وهكذا طبع في ذاكرته، لم يكن في وقتها قادراً على الحركة، حاول مراراً وتكراراً أن ينهض، لم يقوَ حتى على رفع ذراعه، وأصبحت أنفاسه عسيرة وسط الغبار والأدخنة، لكن عينيه التقطت الأجساد الغارقة في دمائها، ورغم آلامه وأوجاعه العديدة، آلمه أكثر غصة في صدره من هول ما رأى، انهمرت الدموع من عينيه وسرت معها رجفة شديدة في جسده.

وقبل أن يفقد وعيه، تمنى أن تقبض روحه وينال الشهادة، لا أن يعيش في ذيول وأوجاع ذكرى مجحفة، أسلم نفسه للوهن البالغ الذي يغالبه، أغمض عينيه ودخل في غيبوبة قاسية.

( 3 )

أسراب الطيور المهاجرة تطير في السماء الصافية نحو الشمال، تتشكل في هيئة رأس سهم تخترق به عنان السماء وتقاوم من خلاله قوى الرياح الشديدة، كنا نحن نسير أسراباً على الأرض وكانوا يطيرون أسراباً في السماء، جحافل بشر ثائرة لا ترى أمامها إلا حلم العودة، تقبض بأياديها على مفاتيح لم تنزع يوماً من رقابها.

الجموع تتقدم والهتاف يعلو والأيادي تتسلح بالحجارة، الناس تأتي من كل حدب وصوب، مسيرات تلتحم بمسيرات كأنها أنهار وجداول آتية من منابع خفية لا تنضب، أطفال وشباب وشيوخ وفتيات ونساء .. الكل يتقدم متحدياً الخوف رافضاً الظلم، أعلام فلسطين الأبية ترفرف في سماء الوادي الفسيح ونظرات عِزة تطل من الوجوه المزينة بالشيلان الفلسطينية.

تقدمت الجموع إلى الأمام خطوات، اهتزت صفوف الاحتلال من وقع الصيحات التي ترج الوادي رجاً وتجعل الرجفة تسير فيهم مسار الموجات، وحينما دنت المسافة الفاصلة انطلقت قنابل الغاز وتساقطت عبر السماء في أعداد كبيرة، وإذا بسحابة غاز تغطي صفحة السماء وأشعة الشمس تتسلل إلى  الجموع السائرة رغم حصار الغاز من نوافذ ربانية تتوسط سحب الاحتلال.

طفلة صغيرة ألقت حجراً صغيراً بكامل عزمها ولم يبلغ مسافة أمتار معدودة، ارتفعت الأيادي ثم امتلأت السماء بآلاف الحجارة، تساقطت على الخوذات وأسطح الدبابات والعربات المصفحة، اشتد في البداية وابل قنابل الغاز ثم تبعته طلقات الرصاص العشوائية.

أبصرت الطفلة الصغيرة تهرول مفزوعة هاربة من الغازات الخانقة والرصاص  المتناثر بعد أن فقدت أباها الذي كان إلى جوارها ولم تعد تراه وسط الزحام والأجواء الضبابية، ولمحت أمها على بعد منها، تصرخ وتهرول صوبها، كانت الأجساد تتصادم بعنف في ذلك الوقت، الكل يحاول أن يتفادى الرصاص الطائش.

وفجأة .. سقطت الأم بطلقة غاشمة اخترقت صدرها، حاولت أن تكمل طريقها إلى ابنتها زاحفة على الأرض .. لم تستطع، فالجسد الواهن حال دون ذلك، لاحظت الأم عينيه المترقبة، أومأت له بعينيها كي يتحرك بسرعة لحماية الفتاة الصغيرة من تلك الأخطار المحيطة، ثم أغلقت عينيها في سلام وأمل .. وأسلمت روحها لخالقها.

اندفع مسرعاً نحو الطفلة الصغيرة المرعوبة، ارتمى بجسده عليها وأحاطها بكلتي ذراعيه خشية أن يصيبها أي مكروه، التف حول أمله في الحياة، غارقاً في محيط من الخطر المحدق على جميع الجهات، والوادي حوله ما بين طين وخضرة ودماء وشظايا، فقد رأى فيها أخته التي فقدها من قبل، وأبصر في عينيها أملاً وغداً مشرقاً، أخذ نفساً عميقاً، سكن مكانه ثم أغمض عينيه في أمل .. إما النجاة وإما…

 

الوسوم