للتقارب والتواصل الإنساني قيمة وضرورة وحاجة ماسة وملحة لمواجهة الحياة، والتأقلم عليها وتحمل مشاقها، فهذا التقارب والتواصل أنس من وحشة الانفراد ومتعة المشاركة واقتسام الفرحة، وجسر العبور من الأزمات، والمواساة في النكبات والملمات، وهذا التقارب يتجلى كأحلى ما يتجلى في شهر رمضان المكرم، والذي يتيح بنظامه وطقوسه وملامحه، مسارات عديدة للتقارب ومحطات للتواصل.

في رمضان موسم يستغرق شهرًا، يغمرنا فيه الدفء الإنساني والتراحم الإيماني عبر هذا الجو الروحي الفريد واللقاء الواصل بين قلوب وأرواح وأنفس في ممارسة العبادات بالصلوات المكتوبة وصلوات التراويح.

هذا اللقاء الشامل وهذا التقارب في المسجد، في الشارع والبيت والعمل، فإن عبادة الصيام توحد المشاعر والنفوس نحو الالتزام للمحافظة على سلامة الصيام.

كذلك فإن عبادة الزكاة التي تشهد سعيًا مستترًا من أجل توصيل المساعدة للذين لا يسألون الناس إلحافًا.

التقارب.. في ولائم الإفطار التي تجمع الأهل والأقارب والأصدقاء والزملاء في العمل أو الجور في السكن.

التقارب.. في التهاني المستمرة برمضان من بدايته حتى نهايته، في تقديم الحلوى والهدايا من حلويات رمضان ونفحاته والإفطار بالمسجد واستضافة الزوار من الأقارب والجيران والأصدقاء بالبيت في السهرات المستمرة لقراءة القرآن والذكر والحضرة الصوفية والاحتفالات الثقافية العامرة بالدروس الدينية والمحاضرات العلمية والأدبية والإنشاد الديني والدورات الرياضية.

وغيرها من ملامح التقارب التي لا تحصى، والتي يتيحها الشهر الكريم، مظاهرًا معبرة عن الخير والسلوك الحميد والتواصل الحميمي والإيماني، والذي يمضي برمضان ليعود مع ركب رمضان التالي.

ليت هذا التقارب المميز لشهر رمضان يكون حافز الشوق إلى الشهر الكريم ليتمثل حضوره بطول العام، فما أجمل وأحلى وأروع أن ترق القلوب وتلين النفوس العصية وتهدئ الأرواح القلقة لتسكن في هذا المناخ الإيماني الفريد، وهذه النفحات الربانية التي تظللنا وتتغشانا بالدفيء والأنس والأمن في معية الله تعالى.

ليت كل أيامنا تكون تقاربًا محمودًا وتواصلًا معهودًا، يتيح للروابط أن تقوى وللصلات أن ترقى وتصفو وتتجرد لتكون من أجل وبركة رعايته، هذا التقارب الحميمي والتكافل الرحيم لم يكن وليد عصر، وإنما تشكلت ملامحه عبر العصور ليكون سمة مميزة وتاجًا يكلل هامة الشهر الكريم، وهو أيضًا قربى إلى الله يقدمها المؤمن تعبيرًا عن الطاعة التي أمرنا به الخالق والتقوى لما نهى عنه.. في انتظار عودة رمضان في كل عام.