بداية قد أعجز كثيرا في التفريق بين الازدواج الثقافي والفكري وربما قد نعبر عنه في أبسط صورة وهي الصورة الأبوية أو العائل، فالازدواج الثقافي يؤدى حتما إلى ازدواج فكري ومن ثم يؤثر على الهوية.
فالهوية هي كل ما يميز الشخص عن غيره أو الشيء عن غيره أو مجموعة أو جماعة عن غيرها، فهناك الهوية الفردية وهناك الهوية الجمعية كما تتعدد الهويات طبقا لتعدد الركائز والجماعات، فهناك الهوية الوطنية والهوية الدينية والهوية الثقافية وغيرها من الهويات والتي تختلف الواحدة منهن فيما بينها طبقا لمعايير عديدة.
فإن كانت الهوية الفردية تمثل النبتة الأولى للهوية الجمعية فإن تلك الهوية الفردية تتأثر بالهوية الجمعية أي أن العلاقة دائرية كما تتأثر الهوية الفردية بعدة ثقافات وقوى والتي تسهم بحد كبير في تشكيل اللبنة الأولى للهوية الفردية ومن ثم الهوية أو الهويات الجمعية وتلك القوى التي تؤثر في الهوية هي ثلاث سلطات قوى:

المرجعية المجتمعية
المرجعية الدينية
المرجعية السياسية

فأول ما يصطدم بالفرد السلطات المجتمعية والتي تظهر في شكل الوالدين ومنهج وثقافة وتكوين الأسرة ثم البيئة الأكبر تدريجيا متمثلة في البيئة المحيطة من أقارب، مجتمع، أقران، موطن الأسرة، عمل رب الأسرة وعمل الأم أيضا، العلاقة بين الأبوين وعلاقتهما بالمجتم…. إلخ إلى أن نصل إلى الانتماء، وهو مدى ارتباط الفرد والجماعة بالموطن والمكان الذي يعيش فيه بكل معتقداته وتقاليده وموروثاته الثقافية والفكرية.
ثم اندماج المرجعية الدينية شيئا فشيئا مع المرجعية المجتمعية والمكانية إلى أن تصبح ذات مرجعية خاصة والتي قد تتباين فيما بعد نظرا لاختلافات عديدة في محاور السلوكيات والثقافات المختلفة لمفاهيم الدين ومدى ارتباطها بالمجتمع المحيط والظروف التي آلت إليها المرجعية الدينية في إطار المرجعية المجتمعية والمرجعية السياسية ومدى تباين العلاقة بين أفراد المجتمع المحيطة بالفرد من حيث الرفض أو القبول.
ثم تظهر بعد ذلك المرجعية السياسية سواء بطريق مباشر للفرد أولا أو بطريق غير مباشر متمثلة في التأثير على الثقافات المجتمعية والثقافات الدينية قبل مراحل التكوين الأولى.
كل ما سبق يشكل ويكون الهوية الفردية ومن ثم الهويات الجمعية المختلفة وعند تباين واتساع الفجوة بين الهوية المختزنة والهوية المفروضة تظهر ازدواجية الثقافات؟

الاصطدام بالسلطة
يقصد بالسلطة هنا هي كل القوى التي تؤثر على ثقافة الفرد أو المجتمع بدءا من الوالدين وتنشئتهما لأبنائهم ثم المجتمع المحيط وفروضه المتمثلة في العادات والتقاليد والموروثات الخاصة به، المجتمع المدرسي والتعليمي وفروضه، المرجعية الدينية وفروضها، مستلزمات الحياة وضغوطها من الناحية الانسانية أو المادية أو الاجتماعية، سلطات أعلى متمثلة في الآباء والمعلمين والكوادر المجتمعية، رؤساء العمل، سلطات تنفيذية وسياسية ..الخ

الصراع بين الهوية والسلطة

كلما زادت المسافة واحتد التفاوت بين المخزون الثقافي وبين السلطة كلما أدى ذلك لازدواجية التفكير والثقافة فينشأ عن ذلك صراعا داخليا بين الانسان وذاته حول ما يحمله من هوية وثقافات وبين ما تفرضه السلطات الخارجية عليه فنجد الانسان يظهر ما لا يبطن ويفعل سرا ما لا يفعله علانية ويقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول بل وتراه ينتقد شخصا آخر وهو أكثر منه انحرافا.
ومن هنا يسهم ذلك في تعدد الهويات المتشابهة فيما بينها ولا تجد رابطا قويا لربط تلك الهويات ونجد اختلافا ملحوظا للمعايير التي تقاس بها الهويات والروابط فبدلا من أن تظهر هوية يجتمع حولها وتحتها كل الطبقات والأطياف نجد مجموعة من الهويات الخاصة أكثر تأثيرا على أصحابها من الهوية العامة.
مثال ذلك في أمريكا مثلا يجتمعون تحت هوية الوطن الواحد بالرغم من وجود هويات أخرى عرقية ودينية مختلفة ولكن هوية الوطن أكثر تأثيرا
الهند تجمعهم هوية الوطن والمكان والتاريخ بالرغم من وجود هويات أخرى كثيرة دينية ولغوية ( ليست لها تأثير أمام هوية الوطن )
أما عند انعدام الهوية العامة أو ضعفها نجد الهويات الجمعية لها تأثير قوى على أصحابها مما قد يؤدى الى خلل في المجتمع ينعكس على بنيته وتركيبته والتي تؤثر بالسلب على ترابط ووحدة المجتمع ومن ثم تؤدى الى التأخر الفكري والثقافي وبالتالي التأخر المادي والحضاري وذلك نظرا للاصطدام المباشر وغير المباشر بالسلطات.
كلما كان هناك تقارب بين الهوية الفردية والهويات الجمعية وبين اتجاه السلطات السابقة وخاصة السياسية كلما التف المجتمع تحت راية واحدة وهوية تجمع كل الأطراف أما عندما تستأثر السلطة بالتأثير على الثقافات مع وجود تباعد بينها وبين الهويات الواقعية كلما تمسك كل فريق بهويته حتى وإن أخفاها أحيانا مما يؤدى الى خلل في البناء الفكري والثقافي للمجتمع.
ومن هنا تظهر بوادر انعدام الهوية أو ضعفها والشتات الذى يصيب المجتمع ويتحول المجتمع الى مجتمع فاقد أو مهزوز الهوية ومن ثم مجتمع مستهلك لا منتج ويتجه كل فئات المجتمع الى البناء الشخصي أو الفردي أو المحلى حتى وإن تعارض مع المصالح العليا للمجتمع وتظهر مشكلات مجتمعية كثيرة في مختلف الأعمال والإدارات من سوء أعمال ونقص انتاج وتغلب المصلحة الشخصية للمسئولين عن المصلحة العامة وترى الرجل غير المناسب في مكان يستحقه غيره وغيرها من القضايا السلبية في المجتمع والتي تنتهى بدورها الى تقلص الحريات وانهيار العدالة الاجتماعية.