يُخيّل إلى القارئ عند قراءته العنوان للوهلة الاولي أن هناك تناقضا واضحا ويتبادر إلى ذهنه على الفور، كيف لا يكون المرعى أخضرا؟! وقد يتبادر أيضا أنه ربما كان المرعى أخضرا في موسم ما ثم جف في موسم آخر بفعل عوامل الطبيعة.

لا يوجد في ربوع مصر المحروسة مساحات ومراعي خضراء شاسعة ومفتوحة كالتي نراها عبر شاشات برامج الجغرافيا في التليفزيون بدول إفريقية وأوروبية إلا النذر اليسير وذلك بسبب ندرة الأمطار وعدم تخصيص أراضٍ بعينها لهذا الغرض.

لم تقتصر مهنة الرعي في صعيدنا الجواني علي الرعاة المحترفين فحسب، ولكن الجميع كان لزاما عليه أن يرعى أغنامه وماشيته بنفسه، وبمساعدة أفراد أسرته، بسبب قلة الموارد والفقر المدقع. واقتصار امتلاك الأطيان الزراعية الشاسعة على الأعيان فقط وهم قلة قليلة آنذاك.

الأطفال في عمر الزهور أحد الركائز المهمة في الريف إذ كانت الأسرة تبتهج كلما كانت تلك الركيزة ذكراً حتى يعمل بالرعي وبالفلاحة.

التقاط ما تبقى من سنبلات القمح في موسم الحصاد والدريس من الأرض وجمعها كانت تسمى تلك العملية (التصييف)، حتى أن المثل الشعبي اشتُق منها (كل واحد يصيّف في مقطافه)، أي كل واحد منا يضع ما يجمعه من سنبلات في وعائه الخاص به، بعدها يذهب الغلمان والفتيات ليعطوها للأم التي تغمرها الفرحة آخر النهار، فتفركها (تدرسها يدويا) ثم تطحنها على الرحّاية لتصنع منها رغيفين اثنين أو ثلاثة على الأكثر، يقتات منهم أهل الدار ربما ليوم واحد.

اندثرت بعض المهن المتعلقة بالرعي وموسم حصاد القمح (التصييف)، كما ذكرت آنفاً، وهي جمع السنبلات المتناثرات بعد الحصاد، أو تلك التي وقعت من حمل الناقة أو بعثرتها وحملتها الرياح إلى الغيطان المجاورة، والمهنة الأخرى (القرقرة أو القرقير)، وهي المهنة الأكثر تعبا ومشقة ودقة علي الإطلاق، وهي جمع الغلال المدفونة في التراب بعد الدريس.

يتبارى القراقرة (جمع قرقار أو قراقري) بغرابيلهم وكرابيلهم المختلفة الأحجام والأشكال للفوز بقرقرة جرن الباشا أو البيك أو من ينوب عنهما في إدارة الأملاك بعد الحصاد، ومن مشقتها يجمعون تلالاً من التراب ثم غربلتها علي مراحل، فيجمعون بعد يوم كامل، حفنات قليلات، يضعونها في تلّيسهم، ثم الانتقال إلى بقايا جرن آخر.

اقتصر الرعي لقلة المساحات المنزرعة على أكتاف الترع والمصارف والغيطان وعلي حواف الجداول والدرابيس، بينما اكتفى البعض (بالربّيع) وهي أن يقوم الفلاح بربط بهائمه متجمّعة في مكان واحد، ويأتي إليهم بالأعشاب الخضراء واليابسة من أماكن مختلفة.

 

زوّادة الراعي:

يخرج الرعاة الهواة من بيوتهم دفعةً واحدة، وفي توقيت واحد، لأن الموسم ليس طويلا بالقدر الكافي، حاملين معهم صرّة المنديل المحلّاوي المحتوى على لقيمات من خبز البثّاو والجبن القديم ودُقّة السمسم والبصل، وفوق رؤوس الفتيات تتلألأ القلل القناوي المليئة بماء النيل المتروكة منذ يوم مضى في الهواء الطلق، لتصبح باردة وجاهزة، لري الظمأ من هجير صعيدنا اللافح، كما اقتصرت مهنة الرعي على الفقراء دون غيرهم، أما المحترفون فيرعون طول العام.

 

أهزوجة النورج:

كان لأهازيج الفلاحين المرتبطة بالرعي وبالحصاد حضورا قويا مع الجماعة الشعبية في صعيدنا الجواني، إذ أن لكل صاحب حرفة في المجتمع أهازيجه الخاصة، وكان الرعي أحد تلك الحرف كعمل إضافي يمارسه الفلاحون، بالإضافة إلى فلاحتهم .

أغنيات الرعي لم تختلف كثيرا عن أغنيات الدريس بالنورج والمحرات لأن الرعي والحصاد موسمان متزامنان، وغالبا ما يأتيان سوياً في الصيف القائظ، إذا ما عرفت أغنامنا مكان طعامها وانكفأت عليه، نهرول إلى الحقل المجاور حتى نركب النورج بجوار الجد عبداللاه على كرسيه الليفي (العنقريب)، لندور مع النورج ونستمع إلي صوته الشجي الذي كان يملأ الارجاء:

 

يا لوبي يالوبي يا لوووووبي

يا حصّاد يا درّاس ليه زعلاني؟

زعلت من توري عشان بطلاني

يا لوبي يالوبي يا لوووووبي

يا نورج يااا مثقّلة بالحديدي

طلعنا ندرس في بلاد الطيني

محلى يومك يا توري السميني

يا لوبي يالوبي يا لوووووبي .

 

أبناء جنوبنا وقتها كانوا لا يعرفون السمنة أوالكرش بل كانت السمنة دليل عز ومصدر فخر ودليل شبع.

 

على عكس أهل الشمال الذين يعشقون الأرز والطبيخ الأحمر، فإن أبناء صعيدنا الجواني يعتبرونه (العشق الممنوع)، وربما نطبخه بمرق اللحم الضاني وبأفضل الطرق، ولكن لا تملأ منه البطون، ربما لارتفاع درجة حرارة الجو، أو ربما لأن نوعية الطعام التي يتناولها الناس عموما هي ثقافة شعوب، فالذي يأكله الهندي لا يستسيغه المصري، والذي يأكله السوداني لا يقترب منه السوري، والعكس صحيح، بل نتلهف إلى أكل الملوخية اليابسة والبامية اليابسة (الويكة) علي طول الخط، لخفتها وسرعة هضمها.

القوام المفرود والبشرة الداكنة كانت صفات مميزة لأهل الجنوب، والذي ينظر إلى المومياوات في الدير البحري بالأقصر، ويمعن النظر إلى عظامهم الضخمة، وانتصاب عظمة الأنف عندهم، سوف يربط على الفور بينها وبين شكل أجساد أهالي الصعيد، ويعرف وجه الشبه الكبير بينهما وسببه وكيف أن تلك الجينات عاشت في دماءهم لآلاف السنين.

 

الرعي مقابل أجر :

بعض الناس لا يملكون ماشيةً، فيرعون لمن عنده بالنسبة المئوية، كأن يتشاركا إنتاج الغنم من حملان بالثلث أو بالنصف أو على ما تم الاتفاق عليه.

رحلة العودة إلى الحيشان (جمع حوش) وعزب البوص وبيوت الطين هي الرحلة الأسعد للرعاة ولبهائمهم علي حد سواء، فهي تشبه إلى حد كبير رحلة الطير التي تغدو في الصباح إلى الحقول خماصا جائعة، وتعود في المساء إلى أعشاشها بطاناً شبعى.