من هو العنصري الأول؟ إبليس الذي رفض السجود لآدم عندما أمره الله تعالى بذلك، فقال إبليس: ( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) بنص القرآن، فهو اعتبر جنس النار التي خلق هو منها أشرف من جنس الطين، دون مبرر منطقي، إلا إنه يرى نفسه الأفضل.

وهكذا العنصري يعتبر نفسه الأذكى والأنقى والأرقى بلا منازع، والأفضل على الإطلاق، مثلما زعم هتلر العنصري، بالتفوق للجنس الآري الألماني وأحقيته في سيادة واستعباد العالم، باعتباره تجسيدا لـ “السوبرمان” الذي بشر به الفيلسوف الألماني (نيتشه) في كتابه: هكذا تكلم زرادشت.

– العنصرية في الألوان والأديان والأعراق والأرزاق، كلها أوجه معتمة وهي الوحش الوحيد الذي لم يفلح الإنسان في ترويضه، أو هي النار التي تظل متقدة دائما تحت الرماد وتنتظر أية فرصة لتبدأ احتفال الحريق.

– سافر غاندي من الهند إلى جنوب أفريقيا للترافع في قضية هناك، وفي سفره إلى بريتوريا، واجه أول تحديات التفرقة العنصرية التي كانت مستشرية آنذاك، فقد منعه عامل السكك الحديدية من ركوب عربات الدرجة الأولى بالقطار، والتي يحمل تذكرتها، ويصر على ركوبه الدرجة الثالثة لأنه (ملون).

رفض غاندي وأصر على ركوب الدرجة الأولى، فقام العامل والشرطي بإلقاء حقائبه فوق الرصيف، فاضطر إلى ركوب العربات التي تجرها الجياد، ولكن (ريس) العربة منعه من الركوب مع الركاب، فلما ناقشه غاندي، ضربه الرجل، فاضطر غاندي إلى الركوب مرة بجوار السائق، ومرة على سلم العربة، حتى وصل.

– صعوبة القضاء على العنصرية، أنها بلا عقل، ولا تستند إلى منطق، كما أنها عمياء لا ترى إلا نفسها، مهما قوى التعايش بين الطوائف وزاد التحضر والمعارف، ومهما حصل الملونون والطوائف والأجناس على الحقوق، تظل العنصرية التي تلتبس بالانتماء كثيرا، لتلبسه قناعها القبيح وتسطو عليه، فهي مثل قابيل، ولدت مع الانتماء في نفس الأسرة، ولكنها ارتدت روح الشيطان.

كتبت مرة متسائلا في مقطع شعري: لو فكر طير أبيض

أن اللون يميزه

عن طير أسود؟

– من مقال قديم للكاتب الأميركي كارل روان، من مجلة المختار من رايدر دايجست عدد يونيو 1967، يقول (أذكر إنني عاتبت أحد أصحاب الأعمال لأنه منح شخصا أبيضا وظيفة كان يستحقها شخص أسود أكثر تأهيلا من الأبيض، فقال لي إن الإنجيل يقول إنني حارس أخي، وهذا الرجل الأبيض يبدو أقرب إلى أخي من الزنجي ولذلك أعطيته الوظيفة.

— تظل العنصرية هي العدو الأول للرقي والحضارة الإنسانية والمعرقل لمسيرتها، فهي العتمة التي يسير فيها الإنسان، ويخيل إليه السفه والغرور والشيطان أنه يسير تحت شمس الحق الوحيدة.

العنصرية تؤخر العالم، فكلما مضى خطوة على طريق التقدم التكنولوجي، أعادته خطوات على طريق التحضر الوجداني والعقلي، هي أم الكوارث وطريق الضلال الصاعد إلى الهاوية.

الغريب أن معركة العنصرية التي ابتدعها إبليس منذ الأزل، لا يزال ينتصر فيها يوميا ولا يقل أنصاره، هي عقيدة متجذرة يعتنقها الكثيرون.

ومن الغريب أن كل ما يزعمه إنسان العصر من تحضر وموضوعية واعتراف بحق الآخر وإيمان بكل ما تقره الأديان ونبذ التميز ضد أي إنسان، كل هذا لم يكتب شهادة وفاة العنصرية، حتى العنصرية والتفرقة بين الرجل والمرأة.