محمد مراد يكتب: الشباب وسوق العمل.. المعضلة وحلول مقترحة

محمد مراد يكتب: الشباب وسوق العمل.. المعضلة وحلول مقترحة محمد مراد - قوص

تمثل هذه السطور سعيًا مبدئيًا لفهم اشكاليات الشباب في سوق العمل الحالي، مع محاولة للتوصل لسبل تيسر للشباب التعامل مع وضعية هذا السوق واحتلال مكانة ذات قيمة فيه.

لمحة تاريخية

إن النظرة الحالية لوضع الشباب في سوق العمل ومحدودية فرص العمل فيه في ظل ازدياد متسارع لحملة المؤهلات العليا الذين يضيفون سنويًا لوحش البطالة تضخمًا بعد تضخم، هذه النظرة لابد وأن تسبقها مطالعة لتاريخ سوق العمل على الأقل منذ منتصف القرن الماضي وحتى العقد الثاني من القرن الحالي، وذلك من أجل التوصل إلى فهم أفضل للوضع الراهن وإضاءة شعلة تنير نفق المستقبل بدلًا من لعن ظلام البطالة وهو دأب الشباب في بلدنا.

لقد شهدت مصر في الحقبة الناصرية تحولات عدة، أبرز ما مس الشباب منها أمرين أساسيين؛ مجانية التعليم الجامعي وتحول الدولة نحو التصنيع. ففي فترة الملكية، لم يكن السبيل نحو التعليم الجامعي يسيرًا، وكانت مجانية التعليم قاصرة على التعليم الأساسي والثانوي، وحتى في ظل تلك المجانية كان التعليم نوعًا من الترف للطبقة الدنيا من المجتمع التي كانت تقود حربًا يومية لحصاد ما يسد رمقها بالكاد، فكان مصير أبناء هذه الطبقة التي كان جلها من الأرياف إما العمل في الأرض الزراعية والأعمال ذات الصلة، أو التوجه نحو المدينة للعمل في الخدمة المنزلية بقصور وبيوت مجتمع “النصف بالمائة” – حسب وصف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر – أو متيسري الحال من الطبقة الوسطى المحدودة آنذاك.

وعليه، كان توجه دولة ناصر نحو الصناعة وتشييد المصانع السبب الأهم في ابتلاع المؤهلات، خاصةً العليا منها في سوق العمل ومحدودية إسهامها في البطالة، وذلك جنبًا إلى جنب مع التزام الدولة بخلق وتوفير فرص العمل، الأمر الذي شجع الطبقة الدنيا على الاهتمام بتعليم ابنائها حتى الحصول على مؤهل جامعي، لما يمثله ذلك من نقلة اجتماعية من تلك الطبقة إلى الطبقة الوسطى التي كانت تتسع آنذاك.

السبعينات وما أدراك ما السبعينات

غير أن السياسات الوليدة على يد الرئيس الراحل السادات والمتبعة على يد خليفته الرئيس المخلوع مبارك، بالتوازي مع التغيرات الاقتصادية والسياسية، قد غيرت المشهد تمامًا وأدت إلى ما وصل إليه سوق العمل من تدهور وسياسات الانفتاح الاقتصادي والتوجه نحو “تحرير الاقتصاد” والخصخصة وتنصل الدولة من مسئوليتها عن سوق العمل وخلق فرص العمل وتحولها من دولة القبضة القوية على الاقتصاد والسوق إلى “الدولة الرخوة” منذ مطلع السبعينات، كل ذلك أودى بفرص الشباب في العمل نحو الهاوية، حيث تراجعت الدولة عن بناء مصانع جديدة وتوجهت نحو خصخصة الملكية العامة بشكل متوحش مما تولد عنه وقوع مسئولية خلق وتوفير فرص العمل على المستثمرين وأصحاب العمل في القطاع الخاص.

في بادئ الأمر، تراجع دور الدولة في خلق فرص عمل  – منذ 1970 وما تلاها – إلى الاقتصار على الهيكل الإداري في الدولة الذي تخضم بدوره حتى وصل إلى ما يربو عن 6 مليون موظف بالدولة، بما في ذلك “البطالة المقنعة”، وترتب على ذلك تراجع دور الدولة في خلق فرص العمل اللهم إلا التبادلية في تعيين موظفين جدد نظرًا لبلوغ العمال/ الموظفين سن التقاعد، وحتى تلك سيطرت عليها المحسوبية والوساطة والرشوة.

من ناحية أخرى، فإن طرق إدارة رجال الأعمال والمستثمرين سواء لما تملكوه من قطاع عام بعد الخصخصة أو ما أسسوه من مصانع وشركات خاصة لم تسهم في حل البطالة بل على النقيض أسهمت في تفاقمها بشكل بالغ. فبالنسبة للشركات والمنشآت التي تم خصخصتها، دأب الملاك الجدد على اتباع سياسة المعاش المبكر للحد من تكلفة العمالة داخل الشركة، مع التطور التكنولوجي المواكب الذي استبدل الماكينة بالأيدي العاملة على نطاق واسع، مما أدى إلى خروج الكثير من العمال من الخدمة ومحدودية تعيين عمال جدد.

أما بالنسبة للمصانع والشركات الجديدة، فالسياسات المتبعة في إدارتها من حيث التوظيف والتشغيل سياسات تتسم بقصر النظر وسوء التخطيط. حيث أنه صار من المعتاد استغلال صاحب العمل للبطالة التي نتج عنه توفر أيدي عاملة “رخيصة الثمن”، فراح أصحاب الأعمال يتبعون المثال الآتي في التوظيف: تعيين 10 أشخاص للقيام بأعباء وأعمال 50 موظف، مع منحهم رواتب إجماليها بالكاد يكفي 5 موظفين للحصول على أساسيات الحياة من مأكل ومشرب ومسكن. كما أن اللوائح الداخلية المنظمة للعمل في القطاع الخاص – إن وجدت – فهي بالغالب تصب نحو الاستغلال الأكبر لطاقة العمل بغض النظر عن أي شيء آخر، فلا يجد العامل في نهاية الأمر في القطاع الخاص إلا وظيفة يبذل فيها أضعاف جهده ويحصل مقابل ذلك على الفتات. ومن ثم فلا مجال أمامه إلا الاستمرار في العمل (غير المجدي اقتصاديًا) أو تركه بحثًا عما يوفر مقابل أفضل حتى ولو بشكل محدود، ومن ثم تستشري ظاهرة دوران العمالة التي تتسبب في فقدان المنشآت في القطاع الخاص للعمالة المدربة وبالتالي فقد تحمل المنشآة لخسارة الوقت والجهد الذي تم بذله في تدريب هذه العمالة، وهي خسارة قلما يلتفت إليها أصحاب العمل الذين يركزون بالأساس على تقليص المصروفات المادية وفي المقام الأول بخفض عدد العاملين وأجورهم.

باب الخروج

وحتى يتمكن الشباب من الفرار من تلك الأزمة والحصول على موقع أفضل في سوق العمل، لا سبيل أمامهم، سواء اتخذوا طريقًا نحو الهجرة أو استقر رأيهم على الاستمرار في العيش داخل هذه الدولة، إلا التفكير بشكل مبتكر في ظل ما يلي من أفكار قد يكون من المجدي وضعها في الحسبان.

أولًا، لم يعد التعليم الجامعي كافيًا. عليك التفكير كصاحب عمل إذا أردت الحصول على فرصة عمل، ما الذي يجعل صاحب العمل قد يفضلك عن آخرين من حملة نفس المؤهل أمثالك؟ حتى التقدير الإجمالي لشهادتك الجامعية ليس أمرًا مقنعًا، الحل في هذه الجزئية يكمن في اكتساب مهارات ومؤهلات إضافية، وذلك باستغلال فترات اجازات الصيف أثناء الدراسة الجامعية في التدريب والتأهيل، ثم السعي بعد الدراسة الجامعية إلى الحصول على مؤهلات أكثر تخصصًا في المجال الذي ترغب في التخصص فيه، على سبيل المثال، تخصص دارس لغة ما في الترجمة، ثم تخصصه في درب محدد من دروب تلك الترجمة، كترجمة المستندات القانونية، يحسن فرص حصوله على عمل في مجال الترجمة.

ثانيًا، إن كانت الدراسة الجامعية لم تأت على هواك وإنما نزولًا على رغبات أسرية عقيمة، ربما كان من الأفضل تغيير المجال وإعداد ذاتك وتأهيلها لمجال آخر أكثر ملائمة لك، مثال من أرض الواقع، طالب بكلية الصيدلة قد تحول لمجال وسائل الإعلام الاجتماعي social media وبرع فيه، وفي ذلك ذكاء تمثل في الحفاظ على ما ترغب به الأسرة من ناحية (مؤهل الصيدلة) وتحقيق الذات باستثمار المؤهلات في مجال جديد يرتفع الطلب عليه يومًا بعد يوم (الـ social media). أتعرف ما هي النصيحة الأكثر حماقة وبؤسًا في التاريخ – من وجهة نظري – “إن لم تعمل ما تحب فحب ما تعمل”، حياتك أقصر من استهلاكها في مثل هذه السخافات، إن لم تعمل ما تحب، فابحث عن عمل آخر تحبه.

ثالثًا، فكر خارج الصندوق، تلك نصيحة مستهلكة بالنسبة للآذان، ولكن تعمى عنها العقول والقلوب، إذا أردت مثلًا أن يكون لك مشروعك الخاصة، فمن الحماقة كل الحماقة – التي لم تُعِ بل قتلت من يداويها – أن يكون مشروعك نسخة بالكربون من مشروع موجود بالسوق فعليًا، عزيزي إن فكرة محلات “المحمول” أكل عليها الزمان وشرب، فإما أن تجد فكرة جديدة أو على الأقل أن تقدمًا طرحًا جديدًا لما هو متوفر، فكر في السوق الموجود حولك، ما هي الخدمات اللازمة؟ لا تتعجل الأمور، ادرس السوق جيدًا قبل التنفيذ، إذا كان السوق في حاجة مثلًا لخدمات نقل، فابدأ بالنقل الخفيف، مع وضع دراسة جدوى لمشروعك وتقييم مخاطر حتى تخرج بأقل الخسائر أو أعظم المكاسب.

ختامًا، يُرجى أن تكون السطور أعلاه ملهمة بشكل أو بآخر لمن يبحث عن فرصة عمل، ليهتدي إلى السبيل نحو خلقها بدلًا من انتظار مولدها الذي قد لا يأت.

 ملحوظة أخيرة:

النص الموجود أعلاه بناء على قراءات في كتابي “ماذا حدث للمصريين” للدكتور جلال أمين الخبير والمحلل الاقتصادي، و”صراع الطبقات في مصر المعاصرة: مقدمات ثورة 25 يناير” لـ أحمد بهاء الدين شعبان، بالإضافة إلى إسهام من واقع خبرة الكاتب المحدودة في سوق العمل.

كاتب المقال.. مترجم من مدينة قوص

الوسوم