لا يختلف اثنان علي المكونات الرئيسية للطعمية ولكن الاختلاف غالبا ما يكون في نِسَب تلك المكونات وحِرفيّة وأمانة ونظافة المعلّم الذي يقوم بتجهيزها وعملها وهذا ينطبق علي باقي المأكولات الشعبية.

تقع مدينة قوص في شرق النيل مقابل مدينة نقادة بمحافظة قنا ولها منزلة خاصة عندنا كما أن لطعميتها مذاق خاص وذكريات خاصة ارتبطت في وجدان أهل الغرب برابط وثيق حيث مثلت لهم وقتذاك المعني الحقيقي لكلمة (البندر) .

يوجد في قوص المسجد العَمري وهو أثر إسلامي بُني عقب الفتح الإسلامي مباشرة، وبها عدد لا يُستهان به من العلماء الأجلاء علي مر العصور، وهي المدينة العريقة تاريخيا، وكان قديما لا بد من مرور الحجيج بها متوجهين شرقا إلي القُصير لعبور البحر الأحمر وصولا إلي الأراضي المقدسة .

لم يكن التحضّر والحياة المدنية قد وصلت بعد إلي نقادة ونجوعها وعلي رأسها الكهرباء ولا نعرف ما هذا العفريت وقطعة الحديد هذه التي تتحرك وتتكلم بداخلها البني آدمين إنه التليفزيون .

صَوَّر يوسف شاهين فيلمه “الأرض” ولم يكن قد زار مدينة قوص من قبل وكأنه قد حدث مع كل منا بالفعل هذا المشهد الأكثر من رائع للفنان المبدع علي الشريف وهو ينظر إلي طاسة الطعمية والزيت يغلي بها فيعلوصوت الطَشّة وتعلو معه شهيته للطعام . بينما يشم الرائحة يبتلع ريقه وعيناه شاخصتان إلي الطعمية السخنة وقد أصر أن يأخذ قرشا من أخيه محمد افندي حتي يستغل تلك الفرصة التي لا تتكرر كثيرا ليأكل من طعمية وعيش البندر .

سوق مدينة قوص يأتي في يوم الإثنين حيث يفد إليه الوافدون من كل حدب وصوب بدون أن يتناولوا إفطارهم استعدادا لوجبة طعمية الدَقَّة والسمسم الشهية أو عدد لا بأس به من سندويتشاتها المنتفخة بسلطة الطماطم المرَمّلة والجرجير الوِروِر شريطة أن يحتسي بعدها زجاجة الكوكاكولا المثلجة “كاكولا” بعد أن يسحبها البائعُ من صندوقه المعدني الملون والمدفونة في الثلج المجروش لتلسعك في حلقك بعد أول رشفة منها لتتكرّع علي الفور من أنفك قبل فمك ولا تريدها أن تنتهي من فرط لذتها أضف إلي ذلك أنها تأخذك إلي عالم آخر فى جبال الألب والإسكيمو حبذا لو شربتها دفعة واحدة .

” المعصرة ” أو عَصَّارة الزيوت ذلك الحجر الدائري الضخم الذي يدور بواسطة الجَمَل أو الثور أحيانا وربما كان الزيت الأشهَر وقتها زيت الحبّة السوداء إذ إنه من الزيوت الطبية المهمة . ومعصرة قوص صورة كربونية شفافة من تلك التي شاهدناها في فيلم شباب امرأة  لشكري سرحان حيث يقوم  “العصار” بعصر الحبوب أمام ناظريك ثم يملأ لك زجاجة منها لتأخذها معك بعد بضع دقائق .

ضُرِب المثل في قري الغرب كناية عن ارتفاع البناء وضخامته وعظمته بأنه يشبه عمارة “طُوبيا” ذلك المبني الأشهروقتها في مدينة قوص علي الإطلاق بالنسبة لسكان قري ونجوع الغرب .

هناك بضاعة ليست من أولوياتنا إذ لم تكن رائجة عندنا كالأحذية والملابس ولعب الأطفال من طبابيل الفخار وزمامير الصفيح والفاكهة نأتي بها من مدينة قوص .

المدرسة الثانوية التجارية والثانوية العامة والخاصة ومكتبات بيع الكتب والأدوات المدرسية والصحف اليومية والمجلات والمصوّر الفوتوغرافي كلهم في قوص . ارتبطت بعض الأماكن والأشياء في مخيلتنا مثل قطار السكة الحديد والمزلقان والحنطور وعصير قصب السكر وعربة الآيس كريم المزركشة “الضَرَضُمَّة” وأخيرا “الرفّاص” بمدينة قوص .

تلك العبّارة النهرية التي يحلوا للبعض تسميتها بالبابور أو “الرفّاص” ويسميها الكثيرون المعادي- كانت وما زالت هي الوسيلة الوحيدة للنقل بين شرق النيل وغربه . لأن الحكومة لم تبن جسرا رابطا بين المدينتين العريقتين بالرغم من أهمية ذلك اقتصاديا وبالرغم من تكرار حوادث الغرق للأفراد والممتلكات .

رائحة طعمية قوص الشهيّة ذات اللون الأخضر المختلطة برائحة بنزين السيارات وصوت القطار وضجيج سائقي عربات الحنطور والصوت الموسيقي المنتظم لحوافر خيولها عند احتكاكها بالأسفلت وزخم بائعي غزل البنات والعرقسوس وتداخل أصواتهم بطريقة عشوائية جميلة رسمت لطفولتنا صورة بالغة الدقة وغاية في الروعة للبندر في أبهي صوره .

رحلة العودة الطويلة نسبيا وقتها لا تقل مشقة عن رحلة الذهاب نظرا لتأخر الرفاص ولازدحامه يوم السوق بالبشر وبالدواب.كل  ما عليك هو الانتظار للرَمْيَة القادمة أو بعد القادمة فالأولوية في العبور لتجار المواشي والبائعين والطلاب والموظفين . من أجمل الهدايا التي يفرح بها سكان الغرب وتأتي بها لأهلك من الشرق هو قرطاس من الطعمية وبعض الأرغفة من عيش الطابونة .ما أروع تلك الايام وما أشهي طعمية قوص ورائحتها الزكية التي أصبحت فيما بعد لا طعم لها ولا رائحة وكأن صانعوها وحدهم هم الذين كانوا يعرفون سر الصنعة دون غيرهم . ذهب صانعوها إلي الوجهة التي ذهب إليها صانعى كل شي جميل في حياتنا وذهب معهم السر إلي غير رجعة .

ارتبطت  كلمة المعادي بالعبارة المأثورة ” تشرب شاي ولا تحصل المعادي “