عبدالمالك أبوالفضل يتذكر..السد العالي أيقونة الحراك العمالي في صعيد مصر

عندما أطلق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، إشارة البدء في حفر السد العالي بأسوان، كان هذا بمثابة طوق النجاة لطوائف عمالية كثيرة بعد أن كانت “اليومية” هي الراعي الرسمي لعمال الصعيد من خلال الأعمال الموسمية في أعمال المعمار، الأمر الذي دعا شرائح كثيرة من شباب محافظات الصعيد للنزوح إلى السد طلبا للرزق والاستقرار، ومن هؤلاء عم عبدالمالك أبوالفضل، رئيس مرفق الطرق والكباري بمجلس مدينة قوص سابقا، وأحد العلامات العمالية التي تركت بصمة في العمل النقابي في محافظة قنا، حيث كافح من أجل إرساء دعائم الاستقرار للعامل، مؤمنا أن العامل هو اللبنة الأولى التي تبنى بها القلاع الصناعية.

وبمناسبة الاحتفال بعيد العمال اليوم أجرت “ولاد البلد” هذا الحوار معه ليحكي عن تاريخه العمالي طيلة 45 عاما من العطاء.

غياب نقابي

أنهى عبدالمالك أبوالفضل دراسته بمدرسة الثانوية الصناعية سنة 62، وكان ترتيبه الثاني على الدفعة، حيث نصحه زملاؤه بأن يكمل دراسته بالمعاهد الفنية بالقاهرة، ولكنه فضل البقاء للذهاب إلى أسوان ليعمل في مشروع السد العالي عام 1963، حينها كان المهندس محمد محمود بن قوص يشرف على إنشاءات السد العالي الذي لمح في وجه أبوالفضل نهمه وإقدامه على العمل، وأسند إليه بعد أشهر من التحاقه بالعمل بمشروع السد وظيفة رئيس وردية، وكانت هذه هي البداية الحقيقية له في الدفاع عن العمال، حيث عاش بينهم قرابة ستة أشهر معاصرا معاناتهم من تطبيق الورديات، لقلة العمالة، وقلة الأجازات، ما جعل أغلبهم لا يفضل البقاء في العمل لحرارة الجو ونقص العمالة.

يقول أبو الفضل “فكرت كثيرا خلال العام الأول من عملي فى السد العالي في عمل كيان اجتماعي يدعم العمال، له الصفة النقابية، ولكن فشلت لعدم إستقرار الكثير من العمال وتركهم العمل، والعمل النقابي يلزمه الاستقرار”.

الخدمة العسكرية وترك السد

في بداية عام 1968 وعقب حرب 67، أعلنت القوات المسلحة التعبئة العامة، وألغت جميع الإرجاءات، ما أجبر الكثير من العمال على ترك العمل بالسد العالي للدفاع عن الوطن، يقول أبوالفضل “تركت العمل بالسد العالي وعيناي تدمعان لعدم قدرتي على استكمال المسيرة مع العمال كبار السن الموجودين بالسد العالي، ولم يجدوا مناخا اجتماعا يجمعهم، فبرغم عدم استقرار العمالة كان هناك رابط عاطفي يجمعنا نحكي فيه معاناتنا”.

رحلتي مع الطرق والكباري

يضيف: بعد أن أنهيت خدمتي العسكرية التى دامت قرابة 7 سنوات حتى عام 1975، وبدأ عصر الانفتاح بعد انتصار أكتوبر، خيرونا بين الذهاب إلى السد مرة أخرى والالتحاق بالأعمال الفنية، أو البقاء في قوص والعمل في الإدارات الخدمية، وجدت حينها السد العالي يناديني لاستكمال المسيرة العمالية ولكن بعد زواجي ورغبة والدي في البقاء بجوارهما، اخترت العمل في هيئة الطرق والكباري، وتم تكليفي بالإشراف على مركز قوص، الذي قدمت إليه ولم يكن به إلا 5 كيلو مترات رصف فقط، بعدها كافحت حتى وصل كم الرصف بمركز قوص إلى 2000 كيلو رصف، شاملا المدينة والمجالس القروبة.

الجمعيات الفئوية

ويشير عبدالمالك أبوالفضل، إلى أن الحراك العمالي في قوص لم يمثل في الجهات العليا للدولة، ولم يستفد العامل القوصي منه إلا في الناحية الاقتصادية، من خلال الجمعيات الفئوية التي تم إنشاؤها في أواخر السبعينيات، حين كان النقابي العمالي القوصي أبوالصفا بدر، يشغل منصب عضو الاتحاد المصري للجمعيات الاسهلاكية، وكلفه بإقامة كيانات خدمية داخل المصالح، يكون لها طابع استهلاكي في تقديم الخدمة، وتم تكوين الجمعية الفئوية 1979 التي كانت الملاذ الوحيد للعامل رحمة من غلاء المعيشة من خلال جلب المنتجات من الجمعية الاستهلاكية.

كما كانت تذبح العجول وتباع بنصف ثمن الببع عند الجزارين، وتقسط المنتجات المنزلية المعمرة، ولغلاء المعيشة وانصراف الطوائق العمالية عن خدمة الكيان العمالي، اندثرت هذه الاهتمامات وأصبحت الإضرابات سيد الموقف الأمر الذي يراه “أبوالفضل” ينذر بتدهور حالة العامل المصري فحتى التسعينات كنا لا نسمع عن شيء يسمى إضراب وغلق مصنع، حيث كان كيان العمال يسير جنبا إلى جنب مع سياسة الدول لتحقيق الرقي والتقدم وتنمية المؤسسات.

الوسوم