أينما سرت أو حللت، صادفتك إعلانات وملصقات كثيرة في الشوارع العامة وعلى جانبي الطريق ، تدعو المدخنين وتحذرهم كي يقلعوا عن التدخين ويتخلصوا من براثنه!.. ومن تلك الشعارات المشهورة قولهم: “لا .. للتدخين” .. ” أنا لا أريد أن أدخن”.. و ” لا تنخدع ..فالتدخين قاتل” و “من فضلك إن حقي في أن أستنشق هواء نقيا.. يعلو حريتك في أن تدخن”.. أو “لا للتدخين من أجل فلذات أكبادنا”.. وقديما قالوا: “العقل السليم في الجسم السليم”.. ولكن كيف يكون الجسم سليما وهو يدمر بالتدخين؟!

إن التدخين كارثة حقيقية مفزعة بكل المقاييس عانت منه وما تزال تعاني منه حتى اليوم معظم المجتمعات البشرية، وأصبح ظاهرة خطيرة تنذر بالخطر الداهم، مما يحتاج منا جميعا إلى التحرك العاجل لدراسة أسباب تلك الظاهرة المفجعة، ووضع الحلول العملية لها قبل فوات الآوان، وقبل أن تقضي على الأخضر واليابس!

لقد انتشرت عادة التدخين في مجتمعنا المصري بشكل ملحوظ بين الفئات العمرية المبكرة، خاصة بين (أطفال الشوارع)، أو الأطفال العاملين في بعض الحرف اليدوية المتنوعة، بل وصل الأمر حتى بين أبنائنا الطلاب خاصة طلاب المرحلة الثانوية.

فمثلا في عام 2012م أثبت تقرير صدر من جهة حكومية، وهو مجلس الشورى المصري، بتدني سن بداية التدخين إلى 9 سنوات. وأخيرا جاء على لسان الدكتور/ عادل عدوي، وزير الصحة والسكان المصري أمام مؤتمر منظمة الصحة العالمية: “التدخين يقتل نحو 170 ألف مصري سنويا، كما أن مصر تعد ضمن  أكبر عشر دول في العالم استهلاكا للتبغ، إذ يستهلك حوالي ربع الشعب المصري، كما يزداد عدد النساء اللائي يبدأن التدخين .

التدخين من وجهة نظر الدين:

إذا كان الإسلام يحرص كل الحرص على حماية البيئة والمحافظة عليها لخير الإنسان، فإنه أيضا يحرص على الإنسان نفسه.. حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”.. واهتم الإسلام بصحة الإنسان ليكون قويا، ونافعا، ومنتجا لمجتمعه الذي يعيش فيه.

وللأسف الشديد قد يزعم بعض الناس أن التدخين لم يكن معروفا ولم يأت أو يرد ذكره في التوراة أو الإنجيل أو القرآن أو الأحاديث النبوية، ولكن هناك قواعد فقهية عامة تقول بأن الأشياء التي تضر الصحة العامة حتى ولو كانت غير مسكرة أو فاقدة للوعي تعتبر مكروهة من وجهة نظر الدين. وحيث أنه قد ثبت أن التدخين له تأثير خطير على الصحة، فيمكن أن يدخل في نطاق المحرمات حيث يقول الله تعالى: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” (سورة البقرة 195). وقوله تعالى: “ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما” (سورة النساء: 29). وباعتبار أن الدخان ضار صحيا وماليا، فقد أجمع العلماء والفقهاء، والمجتهدون على أن ما يؤدي إلى الضرر ويوقع في المهالك فاجتنابه واجب، وفعله حرام، للحديث الشريف: “لا ضرر ولا ضرار”  (رواه مسلم وأحمد وابن ماجه)، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وذلك بعد أن ثبت:

(أ ) ضرر التدخين على الصحة العامة.

(ب) فقد جزء كبير من المال دون فائدة للجسم .

(ج) قد يؤدي إدمانه إلى إهمال البعض لأحد أمور الدين مثل “الصوم” انظر :(كتاب المنهج الإسلامي لعلاج تلوث البيئة  د .أحمد عبد الوهاب عبد الجواد – الدار العربية للنشر والتوزيع – القاهرة  (ص 118 ) .

التدخين  وآثاره الضارة على صحة الإنسان:
ثبت يقينا تسبب التدخين في أمراض: سرطان الرئة والشفة واللسان والبلعوم والمريء والمثانة، والتهاب الشعب الهوائية، وأمراض الأوعية الدموية والقلب، والشرايين، ومن 80% ترجع وفاتهم إلى هذه العلل وبخاصة في الدول النامية، وأثر شرب المرأة  له على جنينها. وها هي ذي أقوال الأطباء في أضراره:

طبقا لما ورد بتقرير لجنة خبراء منظمة الصحة العالمية عن التدخين وآثاره في مؤتمرهم المنعقد بجنيف في ديسمبر 1974 م . والذي ضم نخبة من أساتذة الطب ومؤسسات الأبحاث العلمية والتثقيف الصحي وهي تضم ممثلين عن مؤسسة القلب الهولندية بلاهاي،  وجامعة كامبردج بإنجلترا، ووزارة  الصحة في الاتحاد السوفيتي، وجامعة القاهرة، وفرنسا، والولايات المتحدة، وممثلين للمنظمات الدولية لمشكلات الكحول والإدمان بسويسرا، والاتحاد الدولي لمكافحة السرطان والمؤتمر العالمي الثالث عن التدخين والصحة، والجمعية الأمريكية للسرطان بنيويورك، والجمعية الدولية لأمراض القلب، والاتحاد الدولي لرعاية الطفولة، والاتحاد الدولي للتثقيف الصحي. ومنظمة العمل الدولية، وقسم الصحة المهنية والإدمان بجنيف سويسرا، والجمعية الدولية لطب الأطفال، والاتحاد الدولي للفارماكولوجى ومعهد الكيمياء الإكلينيكية، والمركز الألماني للقلب بميونخ  ـ ألمانيا الاتحادية.

وانتهى هذا المؤتمر إلى أن التدخين يعتبر من أهم العوامل المسببة لسرطان الرئة والالتهابات الشعبية (القصبية) المزمنة وانتفاخ الرئة (الإمفيزيما) وقصور الدورة الدموية للقلب، وانسداد الأوعية الدموية في الأطراف .

وأوضح التقرير أيضا أن التدخين يلعب دورا في التسبب في حدوث سرطان اللسان والحنجرة والبلعوم والبنكرياس والمثانة. ويسبب الإجهاض، وولادة الأجنة ميتة، والوفاة المبكرة، وقرحة المعدة والإثني عشري. وقد أكدت التجارب على وجود مواد سرطانية ومواد مهيجة في القطران المتصاعد من دخان السجائر.

وقد أوضحت الدراسات الباثولوجية وجود التغيرات التي تسبق السرطان في الخلايا الغشائية للشعب الهوائية فيمن يدخنون، وان مكونات الدخان المعروفة، الضارة تشمل القطران والنيكوتين وأول أكسيد الكربون.

نظرة المجتمع للتدخين قديما وحديثا:

لقد كان التدخين في أزمان سابقة خلت من الوجاهة الاجتماعية والمباهاة، أو رمزا للرقي والتحضر والحياة الاستقراطية عند البعض لدى البيئات والمجتمعات، كما كان بعضهم يعتقد أن التدخين سيجعلهم أكثر أهمية وأناقة وجاذبية، أما الآن وبعد تطور الوعي الصحي، فلم يعد الأمر كذلك، حيث ينفر منه كثير من الناس ولم يعد شيئا جذابا على الإطلاق، فهو يؤدي إلى صفرة لون الأسنان، ويجعل النفس كريها، ويملأ الغرف بالروائح المزعجة والمؤذية للآخرين. كما أنه يعتبر عادة اجتماعية سيئة، وكثيرا ما نجد أنه يتم فصل المدخنين عن غيرهم في بعض الأماكن ووسائل النقل والمواصلات، كالطائرات والفنادق والمطاعم الراقية.

خطورة التدخين:

يرى بعض العلماء والباحثين أن سيجارة واحدة تحتوي من الناحية الكيميائية على أكثر من ستة آلاف وثمانمائة مادة لكل منها تأثيرها الخاص على جسم المدخن، ومن أخطار الدخان على الجسم التي يتعرض لها المدخن نذكر بعض الحقائق: ففي (بريطانيا) وحدها يموت أكثر من (50 ألف) نسمة سنويا بسبب أمراض التدخين.

وفي (أمريكا) تقول تقارير الصحة العامة أن مدخن السجائر يتغيب عن العمل سنويا فترة (20%) عن الفترة التي يتغيبها غير المدخن .

هل تستطيع الإقلاع عن التدخين؟:

نعم تستطيع ذلك إذا حاولت وتوكلت على الله تعالى وحده واستعنت به، وتوفرت لديك الإرادة القوية والعزم الأكيد، والاقتناع والاستجابة والإسراع، واتخذت قرارا شجاعا، وخطوات عملية للتخلص من هذه العادة الضارة والسيئة، متذرعا بسلاح الصبر والتحمل على الإقلاع أو الامتناع عن التدخين، وتجنب الاختلاط بالمدخنين في بيئاتهم التي ينتشرون فيها، كالمقاهي والحفلات والأندية وأماكن الترفيه. وعليك بمجالسة ذوي الأخلاق الحميدة، ومصاحبة الأخيار والصالحين، وممارسة الرياضة النافعة والهوايات المحببة لك، كالقراءة والرسم والحاسب الآلي وغيرها، حاول وابدأ الآن منذ اللحظة، ولا تنتظر الغد، وتوكل على الله تعالى، فهو سبحانه وحده إذا مرضت فهو يشفين.

دور الدولة في مكافحة التدخين :

يمكن تلافي أخطار التدخين ومضاره باتخاذ الاجراءات الحاسمة التالية:

  • منع الإعلان عن السجائر في كل وسائل الإعلام.
  • طبع تحذيرات شديدة من التدخين على كل علبة.
  • منع التدخين في كل الأماكن العامة، وأماكن ازدحام الناس وأماكن العمل، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين لهذه القوانين.
  • التثقيف الصحي للجماهير وتوعيتهم بصورة مركزة ، خاصة الصغار عن طريق التلفاز والمدارس ودور العلم المختلفة.
  • إقلاع جميع الأطباء والمعلمين عن التدخين فورا.
  • رفع الضرائب وزيادة الجمارك بحيث لا يستطيع المدخن تحمل نفقاته الباهظة مع المراقبة العامة وعدم التلاعب بالأسعار.

 

كاتب المقال.. باحث بإدارة شباب قوص