في كل زمان ومكان، تجد المرأة نفسها ضحية ضد وباء العنف من المجتمع الذكوري، فمنذ عصر الجاهلية كانت المرأة تباع وتشترى وتوأد وتستعبد وليس لها حقوق بل هي فقط أداة سهلة في يد مستعبديها.

جاء الإسلام وكرمها وحفظ لها حقوقها وكرامتها في كتابه الكريم فقال تعالي: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) (البقرة 228)، (وعاشروهن بالمعروف) (النساء 19) إذن فينظر الإسلام إليها كإنسانة لها حقوق وواجبات وأنها مساوية للرجل في التعامل وفي جميع الأحكام إلا ما خرج بالدليل وعن رسول الله (ص) يقول :”مازال جبريل يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه سيحرّم طلاقهن”  فهنا نجد أن الإسلام حفظ حقها في الدين ولم يحفظ البشر حقوقها في المجتمع بل تتعرض المرأة لكل أنواع العنف والقهر والإهانة سواء من زوجها او ابنها أو أباها أو من المجتمع الذكوري عامة.

وحتى الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين ومع كل هذا التقدم والتطور والتكنولوجيا والانفتاح الثقافي والعلم وتغير العالم ولكن لم يستطع هذا التقدم أن يقضي على الهمجية والعنف والمظاهر السلبية الراسخة والمتعلقة فينا وخاصة إذا كانت هذه المظاهر موجهه إلى الفئة الأضعف في المجتمع وهي المرأة! ويمكننا أن نعرف العنف ضد المرأة على أنه كل فعل يمارس بقسوة وقوة ضدها مما يسبب لها أضرار نفسية وصحية وجسدية وجنسية.

ويوجد أنواع كثيرة من العنف الذي تتعرض له النساء، فقد يكون: “عنف أسري “، وهو يعد أكثر أنواع العنف الممارس في مجتمعنا تجاه المرأة، سواء كانت أما أو زوجة أو ابنة، فقد تتعرض لعنف بدني كالضرب والمعاملة القسوة او عن طريق الزواج المبكر أو عنف نفسي ومعنوي. وقد يكون “عنف اقتصادي“، مثل حرمانها من عملها أو من اعطائها مصروفها الخاص أو الاستيلاء على أموالها وممتلكاتها رغما عنها أو الامتناع عن الانفاق عليها وقد يكون “عنف اجتماعي“، مثل سلب حريتها ورأيها في القرارات الأسرية أو عدم اعطائها الحق في الاعتراض وكأن عليها أن تنفذ أوامر فقط واخيرا قد يكون “العنف فردي أو جماعي “، ففردي عن طريق ايذائها بالقول أو الفعل أما الجماعي فيقوم به فئة مثل استقصائها واحتقارها في المجتمع. ويمكن القول اننا بالفعل نشاهد في مجتمعنا كل ظواهر وانواع العنف ضد المرأة فمن منا لم يرى واقعة عنف أمامه؟ فنري عنف الزوج ضد زوجته بكل أنواعه سواء ضرب او شتم او حرمانها من العمل او سلب ممتلكاتها الخاصة او سرقة إيرادها وعنف الأب لابنته إما بحرمانها بحقها في التعليم أو زواجها وهي قاصر أو إرغامها على القيام بأفعال ضد رغبتها أم سلب حرية الرأي منها أم بضربها أعنف الاخ للأخت لمجرد أن تعود على ذلك أعنف المجتمع لها بالاعتداء الجنسي أو التحرش …. الخ ولكن لماذا كل هذا العنف الذي تواجهه المرأة في مجتمعها بل وفي العالم أيضا؟ حيث لم تقتصر ظاهرة العنف ضد المرأة على مجتمع بعينه او مكان أو زمن أو ثقافة بعينها بل هو عدوى منتشرة في العالم أجمع.

وطبقا للإحصائيات وجد أن 70% من النساء حول العالم يتعرضن للعنف بكل أنواعه وإذا بحثنا عن أسباب العنف لوجدنا اسباب كثيرة أدت إلى ذلك:

أولا: قد تفتقد المرأة إلى من تلتجأ إليه أو من يقوم بحمايتها فتضطر إلى تحمل العنف والخضوع مما يجعل الطرف الآخر يتمادى في ذلك، ثانيا: قد يرجع العنف إلى الجهل من كل من الطرفين في كيفية التعامل وجهل كل طرف بحقوقه وواجباته تجاه الآخر، أو عدم وجود ثقافة احترام المرأة وتقديرها والوعي بأهمية دورها في المجتمع  ثالثا: قد يرجع العنف إلى عادات وتقاليد المجتمع، فهناك أفكار وتقاليد متأصلة في ثقافات الكثيرين والتي تحمل في معناها الرؤية الجاهلية لتمييز الذكر على الأنثى مما يؤدي ذلك إلى تصغير وضئيل الأنثى ودورها، وفي المقابل تكبير وتحجيم الذكر ودوره. حيث يعطى الحق دائما للمجتمع الذكوري للهيمنة وممارسة العنف على الأنثى منذ الصغر، وتعويد الأنثى على تقبل ذلك وتحمله والرضوخ إليه إذ إنها لا تحمل ذنباً سوى أنها ولدت أنثى. رابعا: قد يكون العنف ناتج عن أسباب اقتصادية من ذلك النفقة الاقتصادية التي تكون للرجل على المرأة، حيث أنه من يعول المرأة فلذا يحق له تعنيفها وذلك عبر إذلالها بالإنفاق عليها وبالتالي تقبّل المرأة بهذا العنف لأنها لا تتمكن من إعالة نفسها أو إعالة أولادها. وأخيرا أقول إن المرأة ليست كائن ضعيف بل نحن بثقافاتنا ومجتمعنا وجهلنا جعلناها ضعيفة تأبي الدفاع عن حقها وتضطر إلي تحمل القسوة والعنف من أجل الحياة وأي حياة هذه!

ولكن إيمانا بدور المرأة في المجتمع فوجب علينا جميعا التصدي لهذا العنف ضدها ونقف بجانبها بدلا أن تتحول من امرأة ضعيفة إلى امرأة قاتلة وتجاهي إلى العنف فيفسد المجتمع بأكمله. فعلينا نشر التوعية المجتمعية سواء في المجتمع الأنثوي بتوعيتها بحقوقها وكيفية الدفاع عنها ايصال صوتها عن طريق وسائل الاعلام كافة أو في المجتمع الذكوري بتوعيته بثقافة احترام المرأة وأنها لها حقوق مثله ونزع فكرة العنف وحب السيطرة منهم، كذلك لا بد وأن تكون القوانين والتشريعات في صالح المرأة وسرعة الاستجابة وعدم التخاذل والتطويل في تنفيذها. ويمكن الإشارة هنا أن في هذا الشهر في (٢٥نوفمبر) من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة وهو يهدف إلى تسليط الضوء على ظاهرة العنف علي أساس النوع والقضاء عليه ورفع الوعي العام وجمع الناس لإحداث تغير لصالحهن ويبدأ الاحتفال باليوم في الفترة من 25 نوفمبر وحتى 10 ديسمبر وهو اليوم العالمي لحقوق الإنسان، تحت عنوان حملة الـ 16 يوما لمناهضة العنف ضد المرأة، ويكتسي العالم وقتها اللون البرتقالي في إشارة واضحة لموقفه المناهض لهذا العنف.