فإذا نظرنا إلى ظروف وأحوال بلدنا على مدار السنوات السابقة والحالية بل والقادمة أيضا، لوجدنا فصيلة المسئول بلا عقل منتشرة في كافة مؤسسات البلد بل هي أيضا عامل من عوامل الفساد وتأخر البلاد، فهي ظاهرة خطيرة منتشرة في أوساط المسئولين إلى أن أصبحنا ننفر منهم، بل ونفقد الثقة في كل مسئول، “من مبدأ الحسنة تخص والسيئة تعم.

ولكننا لا ننكر بالطبع كل مسئول يعمل بعقل وضمير ويتقن عمله مهما كان حال الوسط الذي يعمل به، أما تلك الفصيلة ففي الغالب يُأتَي بها من قبيل سد الخانة أو شغل الكرسي فقط، فنجده لا يتحمل المسئولية ولا يفكر في أداء مهام عمله المسندة إليه، ولا يضع الحلول المناسبة في الوقت المناسب بل يؤدى وظيفته بكل عشوائية وبدون تخطيط فكل مسئول يظهر على الكرسي تعرض عليه المشاكل، ولكنه إن تعامل معها يكون الحل الوحيد الذي يطرحه هو المسكنات المؤقتة وليس لديه القدرة على التشخيص والعلاج السليم.

لا يتتبع أسباب المشكلة وتفاصيلها، ولكن كل ما يهمه ألا تأخذ المشكلة منحنى يؤثر على وجوده في كرسيه الفخم، وكأنه سيُخلَّد عليه!  مسئول بلا عقل ينتظر حدوث الكارثة حتى يتحرك لا يهمه سوى منصبه ومكانته، ورضى من هم أعلى منه في المنصب والتسلسل الوظيفي. مسئول بلا عقل معزول عن أهل الخبرة والكفاءة.

ومحاط بطابور طويل من المتسلقين وأصحاب المنفعة والمصالح الشخصية الذين يحجبون المعلومات الصحيحة عنه، ويسوقون له كل ما هو مغلوط لإخفاء فساد هو علم به في الأصل، ويوهمونه بأن كل قراراته سليمة في الشكل والمضمون وأن الباطل لا يأتي من بين يديه ولا من خلفه. مسئول بلا عقل يتخبط في قراراته وتصريحاته العشوائية ولا يؤمن بثقافة الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه بل لديه التبريرات الجاهزة والمعتادة لكل مشكلة ويستخدم المصطلحات المستفزة وسط تبريراته التي لا تسمن ولا تغنى من جوع، وتضر أكثر مما تنفع. مسئول بلا عقل يعمل بمبدأ “عدم الإفادة ومنع الآخرين من الإفادة” يعمل على ردم المتميزين في الهيكل الإداري في قاع المؤسسات قد يكون كراهية لهم وغيرة من تميزهم واجتهادهم، فيقرب إليه من على هواه ويرفض أي مقترح يحسن من نظام العمل، وليس هناك سبب لذلك إلا “عقدة النقص” التي هي جزء أصيل من منظومته النفسية مسئول بل عقل يتكبر على الآخرين.

وينظر لعوام البشر بأنهم أقل منه بدرجات، ويجب أن يعاملهم كالعبيد، ولديه اقتناع تام بأنه “الأوحد” والأفضل في منصبه، وأنه يسير دومًا على الطريق الصحيح في كل ما يقرره في شئون مؤسسته التي يتأثر بها مرؤوسوه أو في تأثير قراراته على مصالح المواطنين. مسئول بلا عقل رد فعله تجاه أي أزمة هو “الاستخفاف بعقلية المواطن” عن طريق المسكنات، وتلك المسكنات هي وعود بحلول أو أنصاف حلول تتسرب للإعلام، ولا تجد لها طريق في التنفيذ، بل تنسى بنسيان الأزمة، أي أنها وعود تلقى في الهواء.

إذن فلماذا نختار مسئولينا من الأشخاص الذين لا يكونوا على دراية وخبرة وافية بـ إدارة الأزمات؟ ممن ينتظرون حدوث الكوارث ويتشبثون بالكرسي؟ ولو تتبعنا الأخبار والتصريحات الإعلامية لكثير من المسئولين على المستوى المحلي وما فوقه، سنجد كلمتين تتكرران بكثرة في كل ما نقرأ: “زار” و “تفقد” وكأن الزيارة هي إنجاز في حد ذاته، وبالطبع حاشيته المصونة تحيط به في كل بقعة يذهب إليها، ما يهمنا في ذلك أن محصلة نشاط المسئول في مهام منصبه لا قيمة لها، وأنه لا يوجد ناتج حقيقي له على أرض الواقع.

أما عن غياب المرونة وهي الطامة الكبرى التي تسببها هذه الفصيلة، أو تطبيق البيروقراطية بحذافيرها بغرض تعطيل مسار أي خطوة إصلاحية تعرض لإفادة المؤسسة الحكومية أو لنفع المجتمع، وأيضًا تعطيل مصالح المواطن الذي يتعامل مع المؤسسة، فكم من شاب طموح أغلقت نوافذ أحلامه عند عتبات المسئولين !! وكم من مواطن غلبان دفع ما أمامه وما ورائه في مقابل ورقة سيحصل عليها من مصلحة حكومية في طريقه منتقلاً من مكتب موظف لآخر وصولاً لإمضاء مدير المصلحة !! وإن كانت مشكلة تقويم عقول وضمائر المسئولين صعبة وتتخللها فروق فردية عديدة وتعامل خاص مع مشكلة كل مسئول فيهم، فإن أصل العلاج والتعامل مع الظاهرة ككل هو ما ينبغي أن تتوجه كل الجهود نحوه. بداية من اختيار المسئول فيجب على صانعو القرار أن يضعوا حسن الخلق والنزاهة وصفة القيادة أولا وايضا وصوله لدرجة علمية وخبرة عمليه وفى مجال عمله وتخصصه تؤهله لتقلد منصبه.

ثم يأتي دور تفعيل الـأجهزة الرقابية من خلال اصدار التشريعات والقوانين التي توسع صلاحيات المؤسسات الرقابية لمكافحة الفساد بأنواعه ثم دور الحل المجتمعي والذي يتمثل في دور المواطن ومؤسسات المجتمع المدني في عدم التهاون مع أي فساد، بمعنى التحرك القانوني للمواطن إذا تعرض أو شهد على فساد مثلاً لو طلب منه رشوة أو حرم من حقه في وظيفة لتعيين آخر.

 ويأتي هنا دور منظمات المجتمع المدني ومن ضمنها المنظمات الحقوقية لتساند القضية وتسوق لفكرة محاربة الفساد وأيضا قيامها بدور المساءلة المجتمعية أيًا كان شكلها وانتهاج ثقافة المطالبة، في جلسات نقاشية أو حوار مجتمعي.

وليس الهدف منها هو النقد أو التوجيه وإنما التقويم والمساندة، فالجمعيات تقوم في مواضع كثيرة بأدوار تعالج بها قصور جهات تنفيذية أو تسد بها حاجات مجتمعية أولية في ملفات حيوية كالصحة والتعليم والنظافة والدعم الغذائي وغيرها. فكل هذه المشاكل الذي نتعثر فيها من مشاكل قمامة وصحة وتعليم واقتصاد وأزمات غذاء إنما هي نتيجة عقلية مسئولين انتهت تاريخ صلاحيتها وتلفت.

والسؤال هو، هل آن الوقت لنستعين بعقول واعية ومدركة لكم المشكلات التي تحيط بنا أم سنظل مع مسؤولين بلا عقل لعقود طويلة إن لم يكن لمدى الحياة؟ إن التنمية المستدامة تتطلب معالجة المشاكل من جذورها وليس من خلال مسكنات ثم نقع في نفس المشكلة مرة أخرى، وتتطلب أيضـًا التخطيط السليم والتنفيذ الفعال والسريع باستخدام الموارد المتاحة وتطويعها للأفضل؛ لك لكي نجني ثمار هذه الخطط والبرامج.

إلى متى سنحتمل إهمال المسئولين، وسوء تصرفهم في كافة الملفات التي تودي بحياتنا تارة وتعجزنا تارة ؟! اهمال في الطرق والكباري ووسائل المواصلات !! فكم من حادثة وقعت وما زلنا نسمع كل يوم عن حوادث طرق وغرق وكل يوم ضحايا جدد !! وكم من كارثة تسمم في مدارس وأطفال بين الموت !! وكم من وقائع إهمال في مستشفيات ولم يحاسب مرتكبيها !! ولن يحاسب أحد !! وقائمة الفساد والجرائم والإهمال تطول وستطول، وكل ذلك بسبب مسئولين تخاذلوا عن اداء وظيفتهم !! إننا نأمل ان نرى بلدنا يقودها عقول تفكر وتبدع وتدبر وترسم السياسات العامة للدولة في كافة المجالات، تضع الأولويات، وتكون لديها خطط بديلة للتحرك وقت الأزمات، لا تنتظر البلاء حتى وقوعه، فمن الظلم ان يراعى شئوننا مسئولون بلا عقول.