الثأر.. كارثة اجتماعية تطرق أبواب العودة في قوص

الثأر.. كارثة اجتماعية تطرق أبواب العودة في قوص أرشيفية

كتبت: منة البشواتي

انتشرت حالات القتل خلال الفترة الماضية في قوص، جنوبي قنا، بسبب خلافات على مساقي مياه، وحدود أراضي زراعية، مما أدى لعودة ظاهرة الثأر من جديد بعد محاولات عديدة لإخمادها.

فقبل أحداث عباسة التي أودت بحياة أكثر من ثلاثة أشخاص، وحبس 15 آخرين، قُتل في أحداث الجمالية شخص واحد، وهدد حياة آخرين بسبب خلافات على حدود أرض زراعية.

ورغم رفض عدد كبير من الشباب للظاهرة، إلا أن ذلك لم يمنع عودتها.

مفاهيم خاطئة

يقول مصطفى عجلان، أحد الأهالي، إن الثأر عادة جاهلية تعمقت جذورها في المجتمع الصعيدي، بسبب بعض المفاهيم الخاطئة مثل العار والشرف و مكانة العائلة أو القبيلة، وذلك بسبب عدم الفهم الصحيح للدين، وغياب الجانب الثقافي وأسلوب التربية الخاطئ الذي يساعد على استمرار وانتشار هذه العادة المرذولة، وانتشار المخدرات وسوء التعليم وغياب الوعي الديني.

ويتابع أن ما حدث في قرية عباسة شيء نأسف له جميعًا، وهو تأكيد على انتشار بعض الظواهر في المجتمع، حيث غياب روح التسامح والود والتفاهم مع غلبة الجانب المادي في التعاملات بين الناس.

لجان المصالحات

ويشير حساني عثمان، أحد الأهالي، إلى أن ما يتم في مركز قوص من حوادث همجية سببها تدني الوعي وعدم التحلي بقيم الإنسانية أو الدين.

ويرى أن الخروج من تلك الدوامة، لو صدقت نوايا البشر، يحتاج إلى أفكار خارج الصندوق، من خلال تشكيل لجنة حكماء تضم مندوب عن كل عائلة وعمد القرى وبعض الشخصيات الفاعلة و بعض رجال القانون من دائرة المركز بالاشتراك مع مندوب من مديرية الأمن ورجل دين مسلم ومسيحي ورجل قانون، تكون مهمة هذه اللجنة عمل وثيقة (مدونة سلوك) تحتوى على إجراءات فض المنازعات قبل استفحالها عن طريق لجنة مصالحات، وتكون قراراتها ملزمة للجميع بعد التوقيع على الوثيقة.

ويستكمل أنه في حال تطور الأمور تقوم اللجنة بالعمل على إجراء المصالحة، مع عدم التنازل عن الشق القانوني وعدم الضغط المعنوي على الطرف المعتدى عليه للتنازل عن حقه القانوني، وذلك لردع المعتدي و إشعار المعتدى عليه بالحصول على حقه، و يجب أن تشتمل الوثيقة على قرار ملزم للجميع أنه في حالة وصول الأمر إلى حد القتل و عدم قبول ولي الدم العفو أو الدية الشرعية يتم القصاص من القاتل نفسه وليس أحد غيره من أهله، وبذلك سوف يفكر كل واحد مرات ومرات قبل أن يقدم على عملية القتل مادام يعلم أنه هو من سيقتص منه و أنه سيُقتل.

ويذكر أن التوقيع على الوثيقة وإشهارها وضمان التزام جهات الإدارة من أمن وقضاء بشروط الوثيقة بالقانون يضن التزام الناس بها، مطالبًا بطرح الأمر للحوار لإضافة ما يلزم على هذا الاقتراح وتفعيله.

عواقب وخيمة

ويبدأ  بهاء الدين الخولي، شاعر، حديثه ببيت شعر له يقول (يا أهل بلدي كفاية عداوة فالخصام زاد مفيش فيكم كفاية يصلح ما بين العباد)، لافتًا أن  الثأر من العادات المذمومة في المجتمع، بل أشد كرها وعدوانًا، وهو من التقاليد الموروثة وخاصة في قرى ومدن الصعيد، وتلعب العصبية والقبلية دورًا مهمًا ورئيسيًا في تفشي هذه الظاهرة المقيتة، فكل قبيلة وعائلة تضع نفسها في مكانة أعلى من الأخرى، وتبغي السيادة والسيطرة على من هم أقل منهم في نظرهم.

ويحذر الخولي من العواقب الوخيمة للثأر، والنتائج السلبية الكثيرة المترتبة عليه، حيث به يزداد الأيتام وتنتشر العداوة و تسود البغضاء، و كثيرا ما يولد الثأر ثأرًا آخر بل أكثر من قتيل في الجانبين.

وينصح أنه للقضاء على هذه العادة المذمومة يجب على رجال الدين من الأئمة والوعاظ توعية العامة بالعواقب الوخيمة ورأي الدين في العفو والسماح، كما أن على المدرسة أن تقوم بدور فعال التوعية التلاميذ، وهناك الهيئات الاجتماعية كمراكز الشباب وقصور الثقافة والأندية الرياضية والاجتماعية والجمعيات الأهلية كل هؤلاء مطالبون بالدعوة لنبذ هذه العادة، ولا ننسي دور وسائل الأعلام من صحافة وإذاعة وتلفزيون في نشر التوعية في المجتمع.

كارثة محققة

ويضيف عادل أنور الشعار، أحد أهالي قوص، أن موضوع الثأر في بلدنا أصبح كارثة محققة ومحزنة بالنسبة للجميع في ضياع الأمن والأمان وغياب الوعي الديني بين الأهالي، وغياب دور مشيخة الأزهر الشريف الذي يمثله رجال الدين عن طريق الدروس الدينية والخطب الأسبوعية التي تحث على حرمة سفك الدماء.

ويشير إلى أن ما حدث أخيرًا في قرية عباسة عائلتين بينهما دم فسبق أن كان لهم نصيب من المشاكل والمهاترات من قبل، ومن الواضح أن هذه الأحداث جاءت كرد فعل، متهمًا كبار العائلات بالتخاذل وعدم التدخل الجاد لإنهاء الأزمة حتى وصلنا إلى نفق مظلم.

ويشدد على دور الأجهزة الأمنية في الضغط على الأطراف المتخاصمة للوصول إلى حل يرضي الطرفين، وألا تتبع الإجراءات القانونية في هذه الموضوعات التي تدخل في قائمة الأمن العام للدولة للقضاء على نشر الفوضى والاضطرابات بين الجميع، وحتى لا يتحول الأمر إلى حرب أهلية يأخذ فيها كل واحد حقه بنفسه بعيدًا عن سطوة وسلطة القانون، بالإضافة إلى أن القيام بعمل حملات توعية في هذه القضية بات أمرًا ضروريًا وعلى الأجهزة التنفيذية القيام بذلك.

ويتفق معه سليمان جادو شعيب، أحد الأهالي، في أن رجوع الثأر لقوص مرة أخرى أصبح كارثة حقيقية، وشيء مؤسف للغاية.

ويعزو شعيب عودة الظاهرة إلى انتشار الطمع والجشع بين الناس، والبعد عن الله سبحانه وتعالى والرضا بما يقسمه للإنسان، موصيًا بالتدخل السريع والفوري لحل هذه الأزمة، ومحاسبة المخطئين، وتدخل كبار العائلات وأهل الخير والقيام بمصالحات بين العائلات وتهدئة هذا الوضع الراهن.

الأمن

ومن جانبه يقول العقيد حازم محمود، نائب مأمور مركز قوص، إن الثأر ظاهرة اجتماعية أصبحت على مستوى الجمهورية ليس في الصعيد أو قوص فقط، وهي كارثة مجتمعية زادت جدًا في الفترات الأخيرة نظرًا لغياب الأمن والأمان وقيام الثورات وغيره.

ويتابع أما بالنسبة لقوص فقد أصبح هناك خصومات ثأرية بين العائلات، وحادثة عباسة الأخيرة تم تهدئة الوضع بها ووضع خدمة ملاحظة حالة وذلك لتأمين القرية من وقوع أي اشتباكات بين العائلتين، ويرجع سبب رجوع الخصومات الثأرية إلى انتشار السلاح بين الأهالي بسبب سقوط ليبيا، والحالة التي سادت عقب ثورة 25 يناير, والحل هو العمل على التوعية الفكرية الجيدة لخروج جيل جديد واعي ومدرك لما يحدث بسبب الثأر ومضاعفاته.

الوسوم