حرب 73 الخالدة، تلك الحرب التي أنهت حالة اللا سلم واللا حرب بيننا وبين إسرائيل، هذه الحرب التي انتصرت على التفوق العسكري الإسرائيلي الذي كانت تؤيده أمريكا بكل قدراتها العسكرية.

تحل في هذه الأيام ذكراها الــ 44، ويجول في خاطري تضحية شهداءنا وأصدقائنا الذين جادوا بأرواحهم في معركتنا الخالدة في حرب أكتوبر، تجسدت صور التعاون بين دولنا العربية فوقفوا بجانبنا سواء بجزء من الجيوش والعتاد العسكري أو بأموالهم لنشتري به السلاح في معركة الكرامة والعزة، بل الغريب والعجيب والذي يجهله الكثير أيضا، أن قوة سياستنا الخارجية وقتها جعل دولة كوريا الشمالية التي يعتبرها العالم تهديدا لسلمه الآن ترسل سربين من طائراتها بطياريها لحماية العمق الداخلي المصري أثناء الحرب.

أكثر ما يحزنني الآن أن معظم شبابنا يجهل ضحايانا الذين جادوا بأرواحهم من أجل رفعة وطننا، فمن منا يعرف اسم أول شهيد على أرض سيناء، الرقيب محمد مسعد، وشهيد الصاعقة، غريب عبد التواب، وبطل صواريخ البحر، شريف السرساوي، والطيار الشهيد عاطف السادات، وقائد سرب النصر، زكريا كمال، وأحمد حمدي، مهندس كباري العبور، وإبراهيم الرفاعي، شبح الصاعقة المصرية الذي أرعب إسرائيل، وإبراهيم عبد التواب، القائد الأسطورة صاحب معركة كبريت، وغيرهم الكثير من الأبطال وتخلو مناهجنا الدراسية من ذكرهم.

ما زالت إسرائيل حتى الآن تتعجب من المعجزة التي فعلها الجيش المصري في 73، وإليكم واحدة من بين مئات القصص التي أبرزت شجاعة المقاتل المصري وهو البطل الشهيد سيد زكريا خليل، الفلاح البسيط الذي كان يعيش في قرية البغدادي –  جنوب الأقصر، ثم أصبح جنديا بالقوات الخاصة المصرية، ثم أصبح “أسد سيناء، ومن الغريب إن قصة هذا الجندي المصري الشجاع ظلت في طي الكتمان طوال 23 سنة كاملة، حتى اعترف بها جندي إسرائيلي، ونقلت وكالات الأنباء العالمية قصة هذا الشهيد، وأطلقت عليه لقب “أسد سيناء”، تعود بداية القصة أو فلنقل نهايتها إلى عام 1996، في مدينة برلين بألمانيا، دخل دبلوماسي إسرائيلي يعمل بتلك المدينة إلى السفارة المصرية هناك لمقابلة المسؤولين بها، حيث قام بتسليمهم متعلقات الجندي المصري، سيد زكريا سليمان، الذي استشهد في حرب أكتوبر 1973، مفجراً المفاجأة، وهى أن هذا الجندي تمكن من إبادة سرية كاملة من القوات الخاصة الإسرائيلية، وإن هذا الدبلوماسي الإسرائيلي الذي كان جندياً في تلك الحرب كان شاهداً على بطولة وشجاعة الجندي المصري، الأمر الذي دفعه إلى إطلاق لقب “أسد سيناء” عليه، ودعى الحكومة المصرية إلى منحه أعلى الأوسمة العسكرية، وطيرت وكالات الأنباء العالمية وجريدة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية الخبر، وسطع اسم الجندي سيد زكريا خليل في الأفق بعد استشهاده بحوالي ربع قرن من الزمان، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يٌكشف اللثام عن هذا البطل وعلى لسان أعدائه ليكون مثالاً يحتذى به، وليعلم من لا يعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

وبركن خاص بالقاعة المخصصة لسلاح الصاعقة بالدور الثاني بالمتحف الحربي بالقلعة، علقت لوحة نحاسية نقش عليها وجه البطل وأسفلها طاولة عرض زجاجية بها متعلقات البطل التي سلمها الدبلوماسي الإسرائيلي وهى عبارة عن: بطاقة عسكرية لتحقيق الشخصية، ومبلغ مالي عبارة عن ورقة فئة الجنيه، و3 ورقات فئة العشرة قروش، وقطعة معدنية فئة العشرة مليمات، وحوالة بريدية مرسلة لأهله بمبلغ 18 جنيهاً وخمسين مليماً، وتلغرافاً به عنوان المرسل إليه الحوالة والعنوان هو: الأقصر – أبو الحجاج – نجع الخضيرات، وكذلك خطابان أحدهما من أخيه محمود الذى يكبره سناً، وكان أيضاً مجنداً بالقوات المسلحة في تلك الفترة، وإن كان قد سبقه بتاريخ التجنيد، يخبره فيه بموعد أجازته الميدانية وتمنياته أن توافق في جزء منها أجازة أخيه لكى يتقابلا خلالها.

أما الخطاب الآخر فقد كتبه سيد ليرسله إلى أخيه محمود يوصيه فيه بشقيقاته البنات، ويطلب من أسرته ألا تحزن إن أصابه مكروه خلال الحرب الوشيكة، وعلو منزلة الشهيد عند ربه، كما أرسل سلامه لجميع أفراد عائلته، ولكن للأسف تأخر وصول هذا الخطاب لمدة 22 عاماً كاملة حيث حالت ظروف الحرب دون إرساله، وظل داخل حافظته مع الجندي الإسرائيلي حتى سلمها للسفارة المصرية في برلين عام 1995م.

إلى أن عرض بركنه بالمتحف الحربي عقب ذلك، بالإضافة إلى ما سبق، احتوت الحافظة على تصريح أجازة باسمه من يوم 18/9/1973حتى يوم 25/9/1973، ثم تلغراف من وحدته تطالبه بقطع أجازته وتسليم نفسه لوحدته يوم 24/9/1973م، “وذلك لظروف بدء مناورة الخريف التي تمت العمليات الحربية تحت سترها”، ثم حافظة جلدية سوداء مقلمة بخطوط بيضاء كانت تضم هذه المحتويات.

نحكي قصة بطل لم تمت قصته ويشاء القدر أن تعود للحياة بعد 22 عام، من حدوثها، فنحن بلا شك في حاجة إلى المزيد من هذه الشهادات التاريخية من أجل أجيال لم تعش هذه اللحظة التاريخية، وهي في حاجة إلى أن نغرس في وعيها ووجدانها قيمة التضحية في سبيل الوطن، وليدركوا أن السيادة على أرض الوطن واستردادها من المحتل والتمتع بالحرية والاستقلال قد دفع ثمنها أبناء بسطاء من شعب مصر ليس بلا ثمن ولكن بثمن غال.