من نعم القراءة علينا كما قال الكاتب الكبير عباس العقاد إنها تضيف إلى حياتنا، حياة أخري، فقراءة كتاب جديد تنقل إلى معارفك تجارب وخبرات جديدة، وخصوصا إذا كانت سيرة ذاتية لشخص، فما بالك بشخصية كالتي نحن بصددها وهي شخصية الدكتور مهاتير محمد، الطبيب الذي قاد أمته للنهوض في مصاف الدول المتقدمة.

عندما ننظر إلى دول العالم الثالث ونقارن بينها وبين الدول النامية، تشعر بالأسي إلى ما وصلت إليه أحوالنا، ولكن عندما تقرأ حول الدول التي انضمت حديثا إلى ركب الدول المتقدمة، تنظر بالفخر، وخصوصا التجربة الماليزية فهذه الدولة المسلمة التي استطاع قائدها الدكتور مهاتير محمد في 22 عاما فقط، ليحولها من دولة فقيرة إلى واحدة من النمور الأسيوية، ليضع أمام أعين كل قائد يريد النهوض ببلده تجربته الفريدة والتي قال عنها في كتابه “طبيب في مجلس الوزراء” إنها تجربة مأخوذة من الشرق متمثل في دولتي كوريا واليابان.

 وقال عن كتابه إنه ليس سيرة ذاتية لحياته بقدر ما هو سيرة لنهوض دولة ومراحل تطورها في العصر الحديث.

والدكتور مهاتير محمد في كتابه يضع تفاصيل وأحداث إن وضعها الإنسان نصب عينيه سيرسم جغرافيا جديدة للحياة وطرقا جديدة للأمام، فهذا الكتاب صحوة شعب وإنقاذ أمة، فهو ينقل تجربة تحول ماليزيا طوال رئاسته للوزراء من بلد زراعي إلي بلد صناعي، من بلد دخل الفرد 360 دولارا إلي أكثر من 8000 دولار سنويا، من بلد مهمش وفقير على الساحة الدولية إلي بلد متقدم وفاعل إقليميا ودوليا ومحرر من هيمنة الغرب، رفع صادرات بلاده من 5 مليار دولار 1981 إلي 520 مليار دولار عام 2003 م، كما أسس 30 جامعة في بلد متعدد الأعراق والقوميات والأديان كان شعاره النظافة والكفاءة والأمانة، فالكلمات الثلاث شعار أول انتخابات عامة في عام 1982، التي خاضها مهاتير محمد وهو متقلد منصب رئيس وزراء، يقول عنها “أردت إجراء انتخابات عاجلة لتشريع وصنعي كقائد واحتجنا إلى شعار مناسب للإشارة التي التغيرات رأينا وجوب إدخالها في عهدي.

فوجدنا أن التغيير واجب في نواح ثلاث: تطهير البلاد من الفساد، ورفع الكفاءة، والتحلي بالأمانة.

من أشهر مقولات دكتور مهاتير محمد التي دعا فيها شعبه للعمل هي مقولته “أفضل ثروة في أي دولة هي شعبها”.

ويبدو أنهم شعروا بقيمتهم وبحجم المسئولية الملقاة على عاتقهم، وفي ظل رئاسة الدكتور مهاتير محمد للبلاد انخفضت البطالة إلى 3% في عام 2002 وانخفضت نسبة السكان تحت الفقر من 52% في عام 1970 إلى 5% في عام 2002، ويتحدث في كتابه “طبيب في مجلس الوزراء”، عن ملامح حياته السياسية فيقول “طول رئاستي للوزراء لم أخذ أجازتي كاملة وعندما كنت أعود من زيارات خارجية أتوجه إلى مكتبي في اليوم نفسه، كانت ساعات عملي أطول من ساعات عمل أغلبية الموظفين”.

وبما أن الهدف الأسمى هو نهضة البلاد فقد قال في إحدى مقولاته الشهيرة: “إذا كُنّا جميعا رجال دين؛ فمن سيقوم بتصنيع الطائرات، والصواريخ، والسيارات، وأدوات التكنولوجيا الحديثة؟ فيجب أن يكون هناك علماء في التجارة، وفي العلوم التقنية الحديثة، وفي كل مجالات المعرفة، ولكن على أساس من التعاليم الإسلامية، وأيضا إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ لا تحدث بين عشية وضحاها، وعلى الناس أن يتحركوا لإحداثها “وبالفعل شهدت ماليزيا ثورة صناعية قامت على صناعة أجهزة الكمبيوتر، والمستهلكات الإلكترونية، وأُقيمت العديد من المشاريع الضخمة، أبرزها.. إنشاء البرج التوأم “بتروناس”، ومطار كوالالمبور الدولي، والطريق السريع بين الشمال والجنوب، وحلبة سيبانغ الدولية، وممر الوسائط المتعددة الخارق، وسد باكون الكهرومائي، و العاصمة الإدارية الاتحادية الجديدة    بوتراجايا.

وبعدما أنهى مهمته في النهوض بالبلاد، ورأى ثمرة جهوده وإخلاصه؛ تتجلى في ملامح حياة كريمة للمواطنين، والمقيمين في ماليزيا؛ رأى أن الوقت قد حان لإتاحة الفرصة أمام قوم آخرين ليخوضوا تجربتهم في النهوض أكثر وأكثر بالبلاد، مرتديا لزي غير رسمي وقبعته الخاصة بالثقافة الماليزية؛ قدم الدكتور مهاتير محمد استقالته، وقال في ذلك الفصل في مذكراته “أعلنت قرار استقالتي من رئاسة الوزراء عند الساعة الخامسة والخمسين دقيقة مساء في 22 يونيو عام 2002. خشيت قبل الإعلان أن أنهار، لكن الذي حصل كان أسوأ، فعلى الرغم من أنني تدربت على إلقاء الخطاب، لم أستطع سوى التلفظ بجمل متماسكة قليلة، وحين جاء وقت الإعلان؛ انهمرت الدموع من عيني على نحو مخجل، لم أستطع أن أتعامل مع هذه النقطة المفصلية في حياتي؛ مثلما كنت أنوي

 أخيرا حينما تمسك بمذكراته وتقرأ كلماته، ستشعر حرفياً بما كان يفكر فيه، وكيف أنه أمضى حياته الخاصة؛ لأمة كاملة. وكيف جنى ثمار جهوده تلك بعد ذلك، حب الشعب الكبير له الذي نبع من اقتناعهم بأن هذا الرجل عاش ظروفهم- بل أصعب منهم- ؛ و حارب كثيراً من أجلهم.ساعتها ستنهمر دموعك حقاً – وهذا ما حدث معي- حين تصل لتلك السطور التي أنهى بها حياته السياسية، ليتفرغ هو لحياته الخاصة مُطمئن البال، ينام نوماً هنيئاً بعد أن أدى مهمته بنجاح منقطع النظير.