استيقظ مع الساعات الأولي لطلوع الفجر، علي عجَلٍ لتستيقظَ معه أحلامه اليومية البسيطة والمشروعة من حلم العودة وحلم الزواج وحلم بناء بيت أوشراء شقة وحلم مساعدة والديه وإراحتهم، والتي تنشط عادة مع نشاط جسمه في ساعات الصباح الأولي، صائحا بصوته الجهوري لزميليه بنفس الغُرفة (إصحوا يا بشر) ليلحق ثلاثتهم بالحافلةِ المتجهة من سكنهم الكائن بإحدي الأحياء الشعبية بتلك الدولة النفطية الوليدة، إلي مدينة سكنية في طَور الإنشاء، مارِّين بالمطعم الملاصق لسكنهم “العُزّابي” لأخذ “الزوّادة” مهرولين نحو أقرب محطة انتظار لحافلات الركوب (الباص) حفاظا علي لقمة عيشهم ولسان حال كل منهم يقول “لو تأخرنا عن ذلك فان كاتب الدوام سوف يسجلنا غياب بدفتر الحضور” .

كانت منطقة العمل منذ أشهر قليلة صحراء قاحلة يتوسطها طريق ترابي طالما غطّته الكثبان الرملية التي تحول دون وصولهم لموقع العمل إلا بمساعدة إحدي معدّات الحفر التي وُضعت علي جانبيْ الطريق خصيصاً لإزالة الكثبان الرملية المتكونة بفعل الرياح والأتربة .

لم يمض الحول حتي شُقّت الطرق الأسفلتية وعَلتها المباني الشاهقة والقسائم السكنية، وأُحيطت بحزامٍ شجري كثيف ليمنع أو ليخفّف من حدة دخول الأتربة والشوائب إلي سكان تلك المدينة المتكاملة مستقبلاً .

سرعان ما ينمو ويزهو ذلك الشجر تدريجيا ليمثل حائط صد حول المدينة . أضف إلي كل ذلك بنية تحتية متكاملة من صرف صحي وطرق ومياه للشرب وأخري للري إلي آخره من مرافق عامة .

ما لفت أنظارهم واستحضر فيهم حبا نسبيا في البقاء بتلك الدولة، وطرح بعض الأسئلة معلومة الإجابة في دواخلهم ليكونوا مجبرين بعدها بأن يضعوا بلادهم في مقارنةٍ مع هذه البلد النفطية.

قال الأول أوليست مصر هبة النيل كما يقولون ونحن بلد زراعي في المقام الأول، فلم إذن نستورد كل أنواع الحبوب والملابس، وقال الثاني انظر إلي مواقع العمل وابحث عن المهندسين به ستجد جلهم مصريين، إذن نحن بلد العلم، وقال الثالث صدقتما ولا تنسيا أننا قوة بشرية، وعددنا اقترب من المائة مليون، ومواردنا الطبيعية بما فيها البترول لا نري لها أثرا في بلادنا، فهل يا تري ما السبب الذي جاء بنا إلي هنا أوضاقت بنا رحابتها بأن نجد فيها لقمة عيش شريفة تسد الجوع ؟

هنا يا زميلي العزيز نجد التمويل جاهز بإمداد المشروعات بالأموال كما تجد سرعة في البناء ودقة في التنفيذ وتفاني وإخلاص في العمل ، إن لم يكن نابعا من حصولك علي المقابل الجيد فهو نابع من المراقبة والخوف من المحاسَبة تحت مبدأ الثواب والعقاب .

أجهزة رقابية شديدة التعقيد بالمشروعات القومية والفردية علي السواء ” مكاتب استشارية للتخطيط تحتها شركات للتنفيذ يعلوها وزارات حكومية هندسية متخصصة للإشراف والمتابعة واستلام الأعمال حسب الشروط المتعاقَد عليها وحسب أصول الصناعة  طبقاَ لأكواد عالمية، لها سابقة أعمال في مجال البناء والتشييد يجعل بكل موقع مهندساً مقيماً كفؤاً وظيفته التقييم وكتابة التقارير اليومية الشاملة من عدد عمال ومعدات ومهندسين وفنيين وكشوف الحضور والإنصراف، وأجهزة رقابية أخري للتجاوزات الفنية والمالية قَل ما تجد مثلها في بلدنا، وكل هذا يمنع دون حدوث سرقات أو تجاوزات أو أي عبث بتلك المشروعات الجبارة ومن ثم العبث بأرواح المواطنين، وهكذا يعرف مفهوم المحاسَبَة .

ديننا الحنيف وضع ددستورا قبل ألف وأربعمائة سنة لحل تلك الإشكالية من الجذور، نعم لقد بين لنا بأن أعلي درجات الإيمان هو الإحسان كما عرّفه جبريل عليه السلام للنبي الكريم صلي الله عليه وسلم بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . لاحِظ  ” كأنك تراه “. يليها إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه يعني دفع المقابل، والمقابل الذي يكفي لعيش حياة كريمة لك ولأسرتك .

تسائَل العمال أوليست هذه الدولة بها من الثروات ما في بلادنا، وإن اقتصرت عندهم علي النفط، وتعددت صورها عندنا من زراعة وأيدي عاملة وعلم؟ ولماذا لا يكون هناك مشروعات كبيرة مثل تلك عندنا ؟.

لا يطرح كل منهم سؤاله لينتظر من زميله الإجابة  فهو يعلم تماما إجابته جيدا.

هذه بعض حكاوي العمال المصريين مع بعضهم البعض، فى ذلك البلدالنفطى، تلك الحكاوى التي تطوي عنهم طول السفر وطول النهار الذي هو أطول من المسافة بين موقعهم ومكان السكن .